في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٧].
﴿أَنْبَأَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿آدَمُ﴾)، والهاء مفعول به. ﴿بِأَسْمائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بجوابها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿رَبُّكَ﴾). ﴿أَلَمْ:﴾
الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَقُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل تقديره: أنا. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.
﴿أَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا. ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، هذا ويجوز اعتبار ﴿أَعْلَمُ﴾ اسما بمعنى عالم، فيكون خبرا مفردا ل (إنّ)، ويبقى ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَعْلَمُ﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وعليه فالإضافة من إضافة «عالم» لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُبْدُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، أو الرابط على اعتبار. ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ إذ التقدير: أعلم الذي تبدونه. ﴿وَما﴾ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.
﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْتُمُونَ﴾ في محل نصب خبره، والجملة: ﴿كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما كنتم تكتمونه. هذا؛ واعتبار: (﴿أَعْلَمُ﴾) بالجملتين بمعنى: عالم، فيكون ليس على بابه من التفضيل، ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [الكامل]
إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول
أي: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشّنفرى، وهو الشاهد رقم [٩٦٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ السجود في الأصل تذلّل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة [على الأرض] على قصد العبادة، والمأمور به إمّا المعنى الشّرعي؛
[ ١ / ١٠٥ ]
فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصّلاة، والصّلاة لله، فمعنى «اسجدوا له» أي: إليه. وإمّا المعنى اللّغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى:
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض، إنّما كان الانحناء، فلمّا جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسّلام. انتهى جمل نقلا من تفسير الخطيب.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا السجود المنهيّ عنه قد اتخذه جهال المتصوّفة عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال -بزعمه-يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه. ضلّ سعيهم، وخاب عملهم! انتهى بحروفه.
﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ مأخوذ من: أبلس، يبلس، إبلاسا بمعنى سكت غمّا، وأيس من رحمة الله، وخاب، وخسر، وهو من الملائكة، كذا قال عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، -﵃وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة، وكان من أولي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد، فلمّا عصى الله؛ غضب الله عليه، فلعنه: فصار شيطانا، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال تعالى له: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه: صار من الجانّ، كقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٣]: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
وقيل: الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجنّ بالنّصّ، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: إنّ الجنّ سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور. وقال ابن زيد، والحسن، وقتادة أيضا: إبليس أبو الجن، كما أنّ آدم أبو البشر، ولم يكن ملكا، واستدلوا بقوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ رقم [٥١] أي: عصى الله، واستكبر عن أمره تعالى، والملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ سورة (التحريم) الآية [٦]، واستدلوا بأنّه كان له ذرية بنصّ القرآن: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾.
ولا نسل للملائكة قطعا، وعن الجاحظ: إن الجنّ والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جنّ. وهو غير مسلّم له.
﴿أَبى:﴾ ماض من الإباء، وهو الامتناع، وأشدّه. وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في صيغة المضارع: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة)، ويكون متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إذا كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا إلخ،
[ ١ / ١٠٦ ]
هذا: وأبى، يأبى من الباب الثّالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلاّ قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى. والّذي حمل إبليس على عدم السجود لآدم هو الكبر، والحسد، فدليل كبره قوله تعالى حكاية عن قوله في سورة (الأعراف) رقم [١٢]: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ،﴾ وحسده لمّا رأى الملائكة سجدت لآدم تعظيما، وإكراما؛ حسده على هذه المنزلة الرفيعة، والمكانة العالية؛ لذا كان مبدأ العصيان هو الكبر، والحسد، فليحذر المسلم من هاتين الخصلتين الذّميمتين اللّتين سببتا لإبليس الطرد من رحمة الله! وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشّيطان يبكي، ويقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسّجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسّجود، فأبيت، فلي النّار». أخرجه مسلم.
هذا وقد قال عبد الوهاب النّجار-رحمه الله تعالى-في كتابه (قصص الأنبياء): هل آدم هذا هو أبو البشر ولم يكن أحد من قبله من جنسه؟ والجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله تعالى لم يذكر سوى آدم الّذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة والحاضرة من يدّعون:
أن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم، كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون أنّ آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعرّي بقوله: [الوافر]
تقول الهند آدم كان قنّا لنا فسعى إليه مخبّبوه
وإلى القول بوجود أوادم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف]
جائز أن يكون آدم هذا قبله آدم على إثر آدم
وقوله: [الطويل]
وما آدم في مذهب العقل واحدا ولكنّه عند القياس أوادم
وهناك فريق من الناس يرجّح: أنه ليس أوّل نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة:
﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،﴾ ويقول: إنّ الملائكة لم يقولوا ذلك إلا لرؤيتهم من تقدّموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأنّ آدم ﵇ إنما كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا. وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نصّ قطعي الثبوت والدلالة.
انتهى بحروفه.
بعد هذا لقد علمت نقلا، وعقلا، وواقعيّا: أن الله خلق كلّ مخلوق من أبوين بطريق التزاوج، إلا آدم-على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وسلام-فقد خلقه الله بيده من طين، ثم
[ ١ / ١٠٧ ]
نفخ فيه من روحه، فآدم لم يخلق من أبوين، إنّما نموذجا فردا، كما صرّحت الآيات القرآنية بذلك، وقد صرحت أيضا أنّه أبو البشر. قال تعالى في أول سورة (النّساء): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٩]: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها..﴾. إلخ، وقال في ثلاث آيات من سورة (الأعراف) أيضا: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ وفي حديث الشّفاعة المرويّ في الصّحيحين: «أن الناس يأتون لآدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر».
هذا وما قاله داروين من أنّ أصل البشر بدأ بجرثومة صغيرة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرّج هذا الحيوان فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثمّ ترقى هذا القرد، وتمدّن، فصار إنسانا، فالإنسان بنظره قرد متمدّن. وهذه النّظرية تناقض المنقول، والمعقول، والواقع، فليكن داروين وأتباعه المقتنعون بنظريته المتحمّسون لها القردة، وأولاد القردة، أما نحن المؤمنون بالقرآن، والمصدّقون بما جاءت به الرّسل الكرام؛ فلا نرضى إلا أن نكون من نسل آدم ﵇، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (التّين) رقم [٤]: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ،﴾ وإذا كانت نظرية داروين صحيحة؛ فلماذا لم يتطوّر سائر القردة، ويتمدّنوا، ونحن نعيش في عصر التطوّر، والتمدّن؟!.
هذا وإذا عرفنا أن داروين يهوديّ الأصل، وأنه دهريّ ملحد، يعتقد بألا خالق لهذا الوجود، ولا صانع لهذا العالم، فهو كافر بكلّ القيم الرّوحية؛ الّتي جاءت بها الشرائع السّماوية؛ إذا عرفنا هذا؛ نضرب به، وبنظريته، وبأتباعه عرض الحائط، هذا؛ وقال المرحوم عبد الوهاب النّجار بعد أن ناقش النظرية في كتابه (قصص الأنبياء): أقول: كلّما فكرت في ذلك جزمت بأنّ ذلك محال، وقطعت بأن القرد لا بدّ أن يبقى قردا مدى الدّهر، وأنّ القردة لا تلد إلا قردة. انتهى.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٠].
﴿قُلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.
﴿فَسَجَدُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (سجدوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قُلْنا﴾ فهي في محل جرّ مثلها.
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى متّصل، أو منقطع، انظر شرح المفردات.
﴿أَبى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ،﴾
[ ١ / ١٠٨ ]