الإعراب: (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿آدَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد للضمير المستتر ب ﴿اُسْكُنْ،﴾ ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وانظر إعراب ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: كلا من ثمرها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَغَدًا:﴾ صفة مفعول مطلق؛ إذ التقدير: كلوا أكلا رغدا، ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، تقديره: كلا مستطيبين، متهنئين. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل (﴿كُلا﴾)، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ فيكون ﴿حَيْثُ﴾ مفعولا به؛ لأن ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به وليس بظرف. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾
اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: للسببية، (تكونا): فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكونا)، و«أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير:
لا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما. هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل مجزوم بسبب العطف على النّهي، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. بعد هذا فالآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنا..﴾.) إلخ: معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. هذا؛ والآية مذكورة برقم [١٩] من سورة (الأعراف) انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ ويقرأ: («أزالهما») وهما بمعنى: أذهبهما، وأبعدهما، وصرفهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، يقال منه: أزللته، فزلّ، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥٥]: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ وقيل: إن معنى أزلهما من: زلّ عن المكان:
إذا تنحّى، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]
[ ١ / ١١١ ]
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل
يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقّل
﴿عَنْها﴾ عن الجنّة. ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي: من نعيم الجنة، وسرورها، ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه من الجنة فقط، وإنما أراد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كما أبعد هو، وطرد، فلم يدرك طرده، بل ازداد سخنة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظنّ، قال الله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢٢]: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ فصار ﵇ خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، وكم بين الخليفة والجار من فرق! ونسب الإخراج إلى إبليس؛ لأنه كان بسببه وإغوائه.
واختلف في كيفية دخول إبليس الجنّة، ووسوسته لآدم وحواء، فقال ابن مسعود، وابن عباس -﵃وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وكان قد رآهما على باب الجنّة؛ لأنّهما كانا يخرجان منها، وكان إبليس بقرب الباب، فوسوس لهما. والمقاسمة: ظاهر المشافهة، وقال بعضهم، وذكر عبد الرزاق عن وهب بن منبه: إنه دخل الجنة في فم الحيّة، وذلك أنّ إبليس لعنه الله تعالى. أراد أن يدخل الجنّة، فمنعه الخزنة، فأتى الحيّة وكانت صديقة لإبليس، وكانت من أحسن الدوابّ، لها أربع قوائم كقوائم البعير، فسألها أن تدخله في فمها، فأدخلته، ومرّت به على الخزنة، وهم لا يعلمون، وكان ذلك لأنه طرد من الجنّة حينما عصى الله، وأبى أن يسجد لآدم، فقال الله له: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف).
فلما دخل؛ أخذ يوسوس لهما وذلك: أنّ آدم لمّا دخل الجنة، ورأى ما فيها من النعيم؛ قال: لو أن خلدا!، فاغتنم إبليس ذلك منه، وأتاه من قبل الخلد، وقال لهما: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). وقيل: لما دخل الجنّة، وقف على آدم، وحواء، وهما لا يعلمان: أنّه إبليس، فبكى، وناح نياحة أحزنهما، وهو أوّل نائح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما؛ لأنكما تموتان، فتفارقان ما أنتما فيه من النّعمة، فوقع ذلك في أنفسهما، واغتمّا، ومضى إبليس، ثمّ أتاهما بعد ذلك. وقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٠]، فأبى أن يقبل منه، ف ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاغترّا، وما ظنّا: أنّ أحدا يحلف بالله كذبا، فبادرت حواء إلى الشّجرة، فأكلت منها، ثم ناولت آدم، فأكل منها، قال إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-: «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا».
قال ابن عباس﵄-: «قال الله تعالى: يا آدم! ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشّجرة؟ قال: بلى وعزّتك! ولكن ما ظننت أنّ أحدا يحلف بك كذبا، قال: فبعزتي
[ ١ / ١١٢ ]
لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا! فأهبط من الجنّة، وعلّم صنعة الحديد، وخلق الله ثورا، وبقرة، وقال له: احرث، فحرث، وزرع، وسقى؛ حتّى إذا بلغ، واشتدّ؛ حصده، ثم درسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثمّ عجنه، وخبزه، ثمّ أكله، فلم يصل إلى حلقه حتّى بلغ منه الجهد».
وفي رواية أخرى عن ابن عباس﵄-: أنّ الله تعالى قال: يا آدم! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء، قال: فإنّي قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ودميتها في الشهر مرّتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنّة، وعلى بناتك. والرنّة: الصّوت، فلما أكلا من الشجرة؛ تساقطت عنهما ثيابهما، وبدت لهما سوآتهما، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٢]، وفي سورة (طه) [١٢١]: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا:﴾ الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل، والخطاب لآدم، وحواء، والحيّة، وإبليس، وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٤] مثله، وفيها رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ على أنه خطاب لإبليس وحده، وفي سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ على أنه خطاب لآدم وحواء، أو لآدم وإبليس، فأهبط آدم بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بوذ، ومعه ريح الجنّة، فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطّيب من هناك، وهو من ريح آدم ﵇، وفي البخاريّ عن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا». وأهبطت حواء بجدّة، وإبليس بالأبلّة، والحيّة سجستان وهي أكثر بلاد الله حيّات، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها، لأخليت سجستان من أجل الحيّات، ذكره أبو الحسن المسعودي. انتهى قرطبي. قال الجوهري: والعربدّ: حية تنفخ، ولا تؤذي، وزاد صاحب القاموس: أو حية حمراء خبيثة.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ:﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾ ضدّ صديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل:
صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر)، فقد عبّر عنه به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء)، فقد عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعداة، وعدى، وقيل: جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. هذا وسمي العدو: عدوّا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع
[ ١ / ١١٣ ]
بك، والقضاء عليك كما يسمّى الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبّة.
هذا؛ والحكمة من إهباط آدم ﵇ إلى الأرض ما كان قدّره في الأزل، وهي نشر نسله فيها؛ ليكلفهم، ويمتحنهم، ويرتّب على ذلك ثوابهم، وعقابهم الأخرويّ؛ إذ الجنّة ليست بدار تكليف، وكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنّة، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال الله للملائكة حين توجهت إرادته لخلق آدم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهذه منقبة عظيمة، وفضيلة كريمة شريفة. هذا فقد روي: أنّ روح موسى التقت مع روح آدم ﵉، فقال موسى: يا آدم! أكلت من الشجرة حتّى سبّبت لذريتك العناء، والشقاء! فقال آدم: يا موسى! أنت رسول الله، وكليمه، تلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بآلاف السّنين؟ فحجّ آدم موسى؛ أي: غلبه بالحجّة.
هذا ويسأل: آدم معصوم، فكيف يخالف النّهي؟! وأجيب بوجوه، منها: أنه اعتقد أن النّهي للتنزيه، لا للتّحريم، ومنها: أنّه نسي النّهي، وهو صريح قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]:
﴿فَنَسِيَ﴾ ومنها: أنه ظنّ نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من النّاصحين، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاعتقد: أنه لا يحلف أحد بالله كذبا. وقد اختلف: هل كان ذلك من آدم قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض. وإلى الذين يكدسون الذنوب والمعاصي، ويؤملون الآمال العراض في دخول جنّة عرضها الأرض والسموات، اذكر قول القائل: [الكامل]
تضع الذّنوب على الذّنوب وترتجي درج الجنان وطيب عيش العابد
ونسيت أنّ الله أخرج آدما منها إلى الدّنيا بذنب واحد
هذا؛ وقال ابن المنير-رحمه الله تعالى-: مقتضاه تأويل الآي. ومشعر ظاهرها بعدم وقوع الصّغائر من الأنبياء، تنزيها لهم عنها. وعلى أن تجويز الصغائر عليهم قد قال به طوائف من أهل السنة، وفي طيّ وقوعها ألطاف، وزيادة في الالتجاء إلى الله تعالى، والتواضع له، والإشفاق إلى الخطّائين، والدعاء لهم بالتوبة والمغفرة، كما نقل عن داود-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنه كان بعد ابتلاء الله له يدعو للخطّاءين كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، والآية رقم [٦٨] من سورة (الأنفال).
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ:﴾ موضع استقرار، وقال السدي: مستقر يعني: القبور، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ يحتمل المعنيين، والله أعلم، ومنه سمّيت متعة النكاح؛
[ ١ / ١١٤ ]
لأنها تمتّع به، انظر الآية رقم [٢٣٥] الآتية، وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل]
وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق
هذا واختلف في الحين، فقال قوم: إلى الموت، هذا قول من يقول: المستقر: هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام السّاعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. وقال الربيع: (﴿إِلى حِينٍ﴾): إلى أجل، والحين: الوقت البعيد، وربما أدخلوا عليه التاء، قال أبو وجرة: [الكامل]
العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم؟
والحين: المدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والحين: الساعة. قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٨]: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ،﴾ وقال ابن عرفة: الحين:
القطعة من الدّهر، كالساعة، فما فوقها، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٤]: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي: حتى تفنى آجالهم. وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-رقم [٢٥]: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها؛﴾ أي: كل سنة، وقيل: بل كل ستة أشهر، وقيل: بل غدوة وعشيّا، وقال الأزهريّ: الحين: اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت، أو قصرت، والمعنى: أنه ينتفع بها في كلّ وقت، ولا ينقطع نفعها البتة. قال:
والحين: يوم القيامة، والحين: الغدوة، والعشية، قال الله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٧]:
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ويقال: عاملته محاينة من الحين، وأحينت بالمكان.
إذا أقمت فيه حينا، وحان حين كذا؛ أي: قرب، قالت بثينة: [الطويل]
وإنّ سلويّ عن جميل لساعة من الدّهر ما حانت ولا حان حينها
وقال ابن العربي، والفراء: الحين حينان: مجهول، ومعلوم، فالحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام، ويرتبط به التكليف، وأكثر المعلوم سنة.
انتهى قرطبي بتصرف. هذا وجمع الحين: أحيان، وجمع الجمع: أحايين، والحين بفتح الحاء:
الهلاك، والموت.
وأخيرا أفاد قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وقوع العداوة بين آدم وذريته، وبين إبليس والحية، أما عداوة إبليس فقد ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية؛ ولم يذكر عداوة الحية لذريّة آدم، والثابت: أنها لعنت كما لعن إبليس، وردّت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين آدم وذريته إلى يوم القيامة، وقد بيّن الرسول ﷺ عداوتها في أحاديثه الشريفة الصحيحة؛ لذا أمر بقتلها. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال:
«ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ-يعني: الحيّات-ومن ترك قتل شيء منهن خيفة؛ فليس منا»، رواه
[ ١ / ١١٥ ]
أبو داود، وابن حبّان. وعن ابن عبّاس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك الحيات مخافة ظلمهن؛ فليس منا، ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ». رواه أبو داود. وعن أبي ليلى -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن جنان البيوت، فقال: «إذا رأيتم منهنّ شيئا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن؛ فاقتلوهنّ» رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائيّ.
وعن أبي لبابة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل الجنّان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللّذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء. رواه أبو داود. الأبتر: جنس من الحيات كأنه مقطوع الذنب، وقيل: هو صنف من الحيّات أزرق مقطوع الذنب، إذا نظرت إليه الحامل؛ ألقت حملها، قاله النضر بن شميل، والطفيتان هما: الخطّان الأسودان في ظهر الحيّة، وقد يكون الخطّان أبيضين.
وقال الربيع بن بدر رحمه الله تعالى: الجانّ من الحيات التي نهى الرسول ﷺ عن قتلها.
هي التي تمشي مستقيمة ولا تلتوي. وعن علقمة بن قيس نحوه. بعد هذا خذ الإعراب، والله الموفق للحقّ والصّواب.
الإعراب: ﴿فَأَزَلَّهُمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أزلّهما): فعل ماض. والهاء: مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ في الآية السابقة، فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿فَأَخْرَجَهُما:﴾ الفاء: حرف عطف، (أخرجهما):
فعل ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والفاعل يعود إلى الشيطان، تقديره هو، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فأكلا منها، فأخرجهما، فتكون الفاء في الجملة المحذوفة مفيدة للسبب.
﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿كانا:﴾ فعل ماض ناقص، وألف الاثنين اسمه.
﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (في).
(قلنا): فعل وفاعل. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: (أزلهما). ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان
[ ١ / ١١٦ ]