﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ أعطيناهم، وملكناهم.
﴿يُنْفِقُونَ:﴾ يتصدّقون على الفقراء، والمساكين، ويكون الإنفاق فرضا كالزكاة الواجبة، والكفارات على أنواعها، ويكون تطوعا وتقربا إلى الله تعالى، وانظر شرح الآيات [٢٦١] وما بعدها، إن شاء الله تعالى، هذا والفعل الماضي «أنفق» وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، حذفت الهمزة على مثال ما قبله، ويكون ثلاثيا: «نفق». قال الزمخشري رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون، وعينه فاء، يدل على معنى الخروج، والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفد، ونفش إلخ.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه: الأول: الإتباع ل: (المتقين) على البدلية، أو على النعت، الثاني: في محل نصب على المدح بفعل محذوف. الثالث: في محل رفع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾) معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. (﴿وَمِمّا﴾): الواو: حرف عطف.
(﴿مِمّا﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية ضعيفة، ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: ومن الذي، أو من شيء رزقناهم إيّاه؛ لأن الفعل: «رزق» ينصب مفعولين، كالفعل الذي هو بمعناه، وهو: أعطى، ومنح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزقنا إيّاهم المال، وهو ركيك معنى، كما ترى. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجار والمجرور (ممّا) في محل المفعول به، وتقديمه للاهتمام به، وللمحافظة على رءوس الآي.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ المراد به القرآن الكريم. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾
يعني: الكتب السابقة، والمراد: المؤمنون الصادقون من المسلمين، ومن آمن من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأمثاله، بخلاف اليهود والنصارى الذين بقوا على أديانهم، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [٩١] الآتية: وفي حديث أبي ذر﵁-، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابا أنزل الله؟ قال: «أنزل مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزّبور، والفرقان». ويقال: لما
[ ١ / ٣٥ ]
نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قالت اليهود، والنصارى: نحن نؤمن بالغيب، فلمّا قال الله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال الله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قالوا: نحن ننفق، ونتصدّق، فلما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ نفروا من ذلك، ومثل ذلك في الآيتين رقم [١٥٥ و١٥٦] من سورة (الأعراف).
﴿وَبِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بالآخرة: الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب اليم، وهي الحياة الثانية الأبدية؛ التي تكون بعد البعث، والنشور، وبعد الحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، وفي النّار لمن كفر، وعمل سيئا، ورحم الله من يقول: [البسيط]
الموت باب وكلّ النّاس داخله فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]
الدّار جنّة عدن إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنّار
هما محلاّن ما للنّاس غيرهما فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟
و(الآخرة): مشتقة من التأخّر، لتأخرها عنّا، وتأخّرنا عنها، كما أنّ الدنيا مشتقة من الدّنو، كما ستعرفه. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ أي: بما بعد الموت، عالمون علما ثابتا دون شك؛ إذ الإيقان: العلم بنفي الشك والشبهة عند الاستدلال. وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة على مثال ما سبق، فصار الفعل «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار الفعل ﴿يُوقِنُونَ﴾.
الإعراب: (﴿الَّذِينَ﴾) معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه.
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): اسم موصول، وضعف أبو البقاء الموصوفة، قال: لأنه لا عموم فيه على هذا، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.
﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها، ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وعليه ف ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) والكاف في محل جر بالإضافة.
(﴿بِالْآخِرَةِ﴾): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالا.
[ ١ / ٣٦ ]