جرائمهم، ثم يخرجون منها حمما، ثم يدخلون الجنّة، ويكتب بين عيونهم: هؤلاء عتقاء الله من النار، بعد أن يغتسلوا بعين على باب الجنة تدعى عين الحياة وتعود إليهم أبشارهم، وجمالهم.
هذا و﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى: المالك، كما هنا، ويكون بمعنى:
الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفّف، فيقال: أصاحب. هذا؛ والصّحابي: هو من جالس النبي ﷺ في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ، وجالسه في حياته وهو غير مسلم، ثمّ أسلم بعد وفاته مثل: «كعب الأحبار» فيقال عنه: تابعي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا:﴾ فعلا ماض مبنيان على الضم، والواو فاعلهما، والألف للتفريق، ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع فيهما، والجملة الأولى صلة الموصول والثانية معطوفة عليها لا محل لها مثلها. و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف. و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿الَّذِينَ..﴾.) إلخ:
معطوفة على جملة: (من اتبع الهدى) في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها؛ لأنها قسيمة لها، أي: مقابلة لها في المعنى، ودخلت الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد، وهذا يؤكّد اعتبار (من) اسما موصولا. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ﴾ والأول أقوى؛ لأن لها نظائر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾.
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿يا بَنِي:﴾ أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن، مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبني أبيه، لذلك ينسب المصنوع إلى الصانع. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبيّ الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، ومعناه في اللغة العربية: صفوة الله، أو عبد الله، ف «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، وفيه سبع
[ ١ / ١٢٢ ]
لغات قرئ بها كلها. وتميم يقولون: «إسرائين». قال الشاعر، انظر الشاهد رقم [٣٣٢] من كتابنا:
«فتح ربّ البرية» وما يتعلّق به: [الوافر]
قالت وكنت رجلا فطينا هذا-لعمر الله-إسرائينا
فعلى ما تقدم يكون ليعقوب اسمان، وممّن له اسمان: يونس، ويسمّى: ذا النون، وإلياس، ويسمى: ذا الكفل في بعض الأقوال، وعيسى ﵇، يقال له: المسيح، وقد سمّاه الله:
روحا، وكلمة، وكانوا يسمّونه: أبيل الأبيلين، ذكره الجوهري في صحاحه، ونبينا ﷺ له أسماء كثيرة تزيد عن المائتين، وهي مذكورة بجدران مسجده الشّريف، وبنو إسرائيل هم المنتسبون لأولاد يعقوب الاثني عشر، ويطلق عليهم الأسباط، كما في الآية [١٣٦] الآتية.
﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ:﴾ المراد جميع النعم التي أنعم الله بها على آبائهم، ممّا عدد عليهم في هذه السورة الكريمة: من الإنجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق في البحر، ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وتظليل الغمام في التيه، وإنزال المن والسلوى لهم فيه أيضا، وهذا من تذكير الأبناء بما أنعم الله به على الآباء، ويضاف إلى ذلك ما أنعم الله به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ المبشّر به في التوراة والإنجيل، وقد هاجر آباؤهم من بلاد الشّام إلى الحجاز ليسبقوا الناس إلى الإيمان به، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧]، والوفاء بعهده: القيام بطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ولا يتم هذا إلا بالإيمان بمحمد ﷺ، وبالقرآن المنزل عليه، والعمل بما فيه، لذا قال الله لهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رقم [٦٣] الآتية، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال تعالى في الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقيل: هو عام في جميع أوامر الله، ونواهيه، ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد ﷺ الذي في التوراة، وغيره، وهذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح، وعهده ﷾ الذي عهده لهم هو أن يدخلهم الجنة، ويرحمهم برحمته الواسعة. وانظر الآية رقم [٥١] الآتية.
تنبيه: وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد مطلوب منّا، قال تعالى في سورة (المائدة):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ،﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٩١]: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾.
﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافوني دون غيري، والرّهب، والرّهبة: الخوف. قال تعالى في سورة (القصص) رقم [٣٢] لموسى﵇-: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ..﴾.
إلخ. هذا وقد خرج الأمر في الآية إلى معنى التّهديد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
[ ١ / ١٢٣ ]
تنبيه: قال ابن جزي الكلبي في تفسيره: لمّا قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم؛ دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ الآية رقم [١٤٢] الآتية، فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتّخويف، وتارة بإقامة الحجّة عليهم، وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوبتهم، التي عاقبهم بها، فذكر من النّعم عشرة أشياء:
وهي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ،﴾ ﴿بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ،﴾ ﴿عَفَوْنا عَنْكُمْ،﴾ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ ﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا،﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ،﴾ ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.
وذكر من سوء أعمالهم عشرة، وهي قوله:
﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا،﴾ و﴿اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ،﴾ وقولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ و﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ و﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ،﴾ و﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ و﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
وذكر من عقوبتهم عشرة أشياء، وهي:
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ،﴾ و﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ،﴾ و﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ،﴾ و﴿كُونُوا قِرَدَةً،﴾ و﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ،﴾ و﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ و﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ و﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.
وهذا كله جرى لآبائهم المتقدّمين، وخوطب به المعاصرون لمحمد ﷺ؛ لأنهم متّبعون لهم، راضون بأحوالهم، وقد وبّخ الله المعاصرين لمحمد ﷺ به توبيخات، وهي عشرة أيضا:
كتمانهم أمر محمد ﷺ مع معرفتهم به، و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و﴿يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ،﴾ و﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ،﴾ و﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ و(حرصهم على الحياة)، وعداوتهم لجبريل ﵇، واتباعهم السّحر، وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. انتهى بتصرّف من حاشية الجمل.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، (﴿بَنِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و(﴿بَنِي﴾) مضاف و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، ويقال: للعلمية، والتركيب المزجي.
﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿نِعْمَتِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء
[ ١ / ١٢٤ ]