ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿نِعْمَتِيَ﴾. ﴿أَنْعَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. والعائد محذوف، التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (﴿أَوْفُوا﴾): فعل أمر، مثل:
﴿اُذْكُرُوا﴾ في إعرابه. ﴿بِعَهْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم إلخ. ﴿أُوفِ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء. والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:
أنا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر عند الجمهور، التقدير: إن توفوا بعهدي أوف بعهدكم. ﴿بِعَهْدِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَإِيّايَ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِيّايَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، التقدير: وإياي ارهبوا. والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ الفاء: قيل: إنها عاطفة على محذوف، التقدير: تنبهوا، فارهبوا. وقيل: هي زائدة. وأفاد البيضاوي: أنّها الفصيحة دالة على شرط مقدر، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا؛ فارهبون، وإعراب (ارهبون) مثل إعراب: اذكروا، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية هذه مؤكدة للجملة المقدرة قبلها. وقال القرطبي: ويجوز في الكلام: «وأنا فارهبون» على الابتداء، والخبر، ويكون ﴿فَارْهَبُونِ﴾ الخبر على تقدير الحذف، المعنى: وأنا ربكم فارهبون. انتهى.
وبقوله قال مكي.
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَآمِنُوا:﴾ أمر لبني إسرائيل الممثلين باليهود في كل مكان، وزمان. ﴿بِما أَنْزَلْتُ:﴾ على محمد ﷺ. والمراد: القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ أي: من التوراة، والإنجيل، والقرآن مصدّق؛ أي: موافق التوراة في التوحيد، وفي كثير من الأحكام، ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ:﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ هو عائد على محمد ﷺ. قاله أبو العالية، وقال ابن جريج: هو عائد على القرآن؛ إذ تضمّنه قوله: ﴿بِما أَنْزَلْتُ،﴾ وقيل: هو عائد على التوراة؛ إذ تضمّنها قوله: ﴿لِما مَعَكُمْ﴾. ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. إلخ. والمراد أول فريق كافر، وقال: ﴿أَوَّلَ﴾ وقد كفر قبلهم كفار قريش الذين أنزل في بلدهم، وسمعوه قبل غيرهم، فإنما معناه: من أهل الكتاب؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا؛ لأنهم حجّة مظنون بهم علم، وكذلك يراد بالأولوية في حقّهم بالنسبة لمن بعدهم من ذرّيتهم وغيرهم، فيحملون وزرهم، ووزر أتباعهم.
[ ١ / ١٢٥ ]
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ نهاهم الله عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا؛ أي على تغيير صفة محمد ﷺ الموجودة في التوراة شيء، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه. وقيل: المعنى: ولا تشتروا بتغيير أوامري، ونواهي، وآياتي ثمنا قليلا، والمراد:
الدنيا، والعيش الّذي هو منها، فإنه نزر لا خطر له، ولا شأن بجانب الجنة، ونعيمها الدائم؛ الذي أعدّه الله للعاملين بما يعلمون.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية وإن كانت نزلت ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حقّ، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه-وقد تعيّن عليه-حتى يأخذ عليه أجرا؛ فقد دخل في مقتضى هذه الآية. وقد روى أبو داود﵀عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضا من الدّنيا؛ لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة». عرف الجنّة: ريحها. وهو بفتح العين.
هذا واختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم لهذه الآية، وما كان في معناها، فمنع ذلك الزّهري، وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم؛ لأنّ تعليمه واجب من الواجبات؛ التي يحتاج فيها إلى نية التقرّب، والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة، كالصّلاة، والصيام، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وروى أبو هريرة﵁قال: قلت: يا رسول الله! ما تقول في المعلمين؟ قال: «درهمهم حرام، وثوبهم سحت، وكلامهم رياء». وروى عبادة بن الصّامت﵁قال: علّمت ناسا من أهل الصّفّة القرآن، والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله! فسألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «إن سرّك أن تطوّق بها طوقا من نار؛ فاقبلها».
وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس﵄في حديث الرّقية: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». أخرجه البخاريّ، وهو نصّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه. قال ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوّز أن يستأجر الرّجل يكتب له لوحا، أو شعرا، أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوّز الإجارة فيما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة. ولا بد من القول: إنّ المعلم إذا لم يكن له دخل يكفيه لمعيشته، ومعيشة من يعول: فكيف يستطيع التّعليم، بل والتفرّغ للقيام بالشّعائر الدّينيّة، وهو بحاجة إلى لقمة العيش؟!
وروي عن النّبيّ ﷺ: أنه قال: «خير الناس، وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلّما خلق الدّين جدّدوه. أعطوهم، ولا تستأجروهم، فتحرجوهم، فإنّ المعلّم إذا قال للصبي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصّبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب الله براءة للصّبيّ، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النّار».
[ ١ / ١٢٦ ]
هذا و﴿أَوَّلَ﴾ فيه مسائل:
الأولى: الصّحيح: أنّ أصله «أوأل» بوزن: أفعل، قلبت الهمزة الثانية، واوا، ثم أدغمت بما قبلها فصار أوّل، بدليل قولهم في الجمع أوائل، وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الثانية: الصحيح: أن أوّل لا يستلزم ثانيا، وإنّما معناه: ابتداء الشيء، ثمّ قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنّه يستلزم ثانيا كما أنّ الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أوّل ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.
الثالثة: ل: (أول) استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى:
الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو: هذا أوّل هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أن يكون اسما مصروفا نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أوّل ولا آخر، قال أبو حيان رحمه الله تعالى في محفوظي: إن هذا يؤنّث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة، وآخرة بالتنوين. انتهى جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسّيوطي، رحمه الله تعالى.
الإعراب: (﴿آمِنُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِما:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَنْزَلْتُ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أنزلته. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (ما) أو من الضمير العائد عليها، وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، وهو ضعيف معنى. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة أيضا. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: للذي يوجد معكم، أو لشيء كائن معكم. والكاف في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام رحمه الله تعالى يعتبر اللام في مغنيه زائدة، وسمّاها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ مثل قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ وقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: هو من قول قيس بن عاصم المنقري﵁- وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
وجملة: (﴿آمِنُوا..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه
[ ١ / ١٢٧ ]