المسجد، وصلّين مع النبي ﷺ فيه الجمعة، والعيدين، بل والصلوات الخمس، وصلّين مع الخلفاء الرّاشدين الجماعة، والجمعة، والعيدين، والأدلّة كثيرة لا أطيل الكلام بذكرها هنا، والذي يفهم قول الفاروق﵁وسببه: أخطأ رجل، وأصابت امرأة؛ يفهم ما يفهم.
الإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَقِيمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿الرّاكِعِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ..﴾. إلخ: هذا استفهام معناه: التوبيخ، والتأنيب، والتقريع.
والمراد: علماء اليهود بالإجماع، ومثلهم علماء المسلمين المنافقين في كلّ زمان، ومكان، كما ستقف عليه. قال ابن عباس﵄-: كان يهود المدينة يقول الرّجل منهم لقريبه، ولصديقه من المسلمين: اثبت على ما أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرّجل؛ فإن أمره حقّ.
يريدون النبيّ ﷺ، فكانوا يأمرون غيرهم بذلك، ولا يفعلونه.
وعنه أيضا كان الأحبار من اليهود يأمرون مقلّديهم، وأتباعهم باتّباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد ﷺ. وقال ابن جريج: كان الأحبار يحضّون على طاعة الله، وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقال النّسفي، وغيره: نزلت الآية الكريمة في ذمّ أحبار اليهود، فقد كانوا يأمرون النّاس بالصّدقة، ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بالصدقة ليفرّقوها؛ خانوا فيها.
هذا وقد جاء التّحذير، بل والنّكير، والوعيد الشّديد، والتّهديد لمن يخالف فعله قوله، وينهى غيره، وينسى نفسه في أحاديث النبي ﷺ، وخذ من ذلك ما يلي: فعن أسامة بن زيد -﵄-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يجاء بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها، كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن الشرّ، وآتيه». قال: وإني سمعته يقول: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء خطباء أمّتك الّذين يقولون ما لا يفعلون». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن أبي برزة الأسلميّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الّذي يعلّم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للنّاس، وتحرق نفسها». رواه البزّار. وعن أبي هريرة
[ ١ / ١٣٣ ]
-﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه».
رواه الطّبرانيّ في الصغير، والبيهقيّ. والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد قال تعالى في سورة الجمعة رقم [٥] في حقّ علماء اليهود، وينطبق على علماء السّوء المسلمين: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾. وخذ نبذة من شعر الشّعراء في هذا الباب؛ من ذلك قول منصور الفقيه: [مجزوء الكامل]
إنّ قوما يأمرونا بالّذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم لم يكونوا يصرعونا
وقال أبو العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-: [الطويل]
وصفت التّقى حتّى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع
وقيل: من وعظ بقوله؛ ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله؛ نفذت سهامه.
وقال أبو الأسود الدؤلي من قصيدته المشهورة، ومنها الشاهدان رقم [٣٨٦] و[٦٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]
يا أيّها الرّجل المعلّم غيره هلاّ لنفسك كان ذا التّعليم
تصف الدّواء لذي السّقام وذي الضّنى كيما يصحّ به وأنت سقيم
وأراك تصلح بالرّشاد عقولنا أبدا وأنت من الرّشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويشتفى بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال أبو عثمان الحيري الزّاهد-رحمه الله تعالى-: [الطويل]
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى طبيب يداوي والطّبيب مريض
وقال إبراهيم النّخعيّ-رحمه الله تعالى-: إني لأكره القصص (الوعظ، والإرشاد) لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ..﴾. إلخ. وقوله تعالى: في سورة (الصّف) رقم [٢]:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٨] حكاية عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال الجماز ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر: [السريع]
ما أقبح التّزهيد من واعظ يزهّد النّاس ولا يزهد
[ ١ / ١٣٤ ]
لو كان في تزهيده صادقا أضحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الدّنيا فما باله يستمنح النّاس ويسترفد
والرّزق مقسوم على من ترى يناله الأبيض والأسود
أما (البرّ) بكسر الباء: فهو كلمة جامعة لخصال الخير الدنيويّة، والأخرويّة، وانظر أعمال البر التي ذكرها الله تعالى في الآية رقم [١٧٦] الآتية، و«البرّ» بضم الباء: القمح، وبفتحها:
الإجلال والتعظيم، ومنه ولد بار، وبرّ؛ أي: يعظم والديه، ويكرمهما ومن أسماء الله تعالى (البرّ). هذا؛ والبرّ: الأرض الفلاة، والأرض اليابسة ما عدا البحر.
(﴿تَنْسَوْنَ﴾): أصله «تنسيون» فيقال في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «تنساون» ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (تنسون) ويقال أيضا: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. هذا والنسيان: مصدر: نسيت الشيء، أنساه. وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة. ومنه قول الرسول ﷺ: «نسي آدم، فنسيت ذريّته». ومنه أيضا قوله تعالى حكاية عن قول فتى موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. والثاني: الترك عن تعمّد، وقصد، وهو المراد في الآية، وفي قوله تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٦٧]: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٦٥]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٣٧] الآتية: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ:﴾ تقرءون التوراة. وفيه الوعيد الشديد، والتوبيخ العظيم على مخالفة القول العمل لعلماء اليهود، ومن فعل فعلهم كان مثلهم بلا ريب. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم؟ ولا ينبغي أن ينتفي عنكم العقل، وما ينتج عنه من ثمرات. هذا؛ والعقل: المنع، ومنه عقال البعير؛ الذي تشدّ به ركبته؛ لأنه يمنع من الحركة، وقد سمّي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه: أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإنّ كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مرّ رجل معتوه على مجلس النّبيّ ﷺ فقال الصحابة-رضوان الله عليهم-: هذا رجل مجنون، فقال ﷺ: «هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله». والعقل: الدّية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة، تعقل بباب وليّ المقتول. والعقال أيضا: صدقة عام، قال الشاعر يهجو عاملا على الصّدقات: [البسيط]
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا عند التّفرّق في الهيجا جمالين
هذا؛ والعقل: ثوب أحمر، تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج، قال علقمة: [البسيط]
[ ١ / ١٣٥ ]
عقلا ورقما تكاد الطّير تخطفه كأنّه من دم الأجواف مدموم
هذا والعقل: جوهر لطيف في البدن ينبت شعاعه منه بمنزلة السّراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات، ثم اختلفوا في محلّه. فقالت طائفة منهم: محلّه الدّماغ؛ لأنّ الدّماغ محل الحسّ. وقالت طائفة أخرى: محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة، ومادة الحواس، ويردّ هذين القولين: أنّ فاقد العقل لم يفقد دماغه، ولا قلبه، بل هما موجودان فيه. بل القول الصّحيح: إنّ هناك لطيفة ربانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى: فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمّى: نفسا. انظر الآية رقم [٩].
وقال الخازن رحمه الله تعالى: والعقل قوّة تهيئ قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيد منه الإنسان بتلك القوّة: عقل، ومنه قول عليّ بن أبي طالب﵁-: [الهزج]
وإنّ العقل عقلان فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مطبوع إذا لم يك مسموع
كما لا تنفع الشّمس وضوء العين ممنوع
هذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا﴾ للإنكار كما رأيت، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثمّ، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ..﴾. إلخ.
هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أمكثوا في الأرض فلم يسيروا؟ أنهملكم، فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل إلخ. ويضعف قولهم ما فيه من التكلّف، وأنه غير مطّرد في جميع المواضع.
انتهى مغني اللبيب بتصرف. وانظر الآية رقم [١٠٠].
الإعراب: ﴿أَتَأْمُرُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿تَأْمُرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْبِرِّ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾): معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿تَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. الكتاب: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.
[ ١ / ١٣٦ ]