فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿سُوءَ﴾ مفعول به ثان، و﴿سُوءَ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ مفسرة لمضمون الجملة قبلها، فهي في محل نصب مثلها، وهو المعتمد؛ وإن قال الكثيرون: لا محل لها، وجوز أن تكون حالا من واو الجماعة والمعنى يؤيده، فتكون حالا متداخلة، كما جوز أن تكون بدلا مما قبلها، وجوز فيها الاستئناف، وهذا وجه ضعيف. هذا؛ والبدلية واضحة في قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٨ و٦٩]: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ انظرها هناك، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي سورة (إبراهيم) على نبيّنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، رقم [٦]: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو؛ لأن المعنى يعذبونكم بالذّبح، وبغيره، فالذبح جنس آخر من العذاب، لا تفسير لما قبله. ويحتمل أن تكون الواو زائدة، انظر ما ذكرته هناك، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٤١] بدون واو كما هنا، وذلك قوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ وجملة:
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.
﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿فِي﴾): حرف جرّ. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب (﴿فِي﴾) والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بَلاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها حالا؛ فلست مفنّدا، والاستئناف ممكن بلا ضعف. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾
متعلقان ببلاء، لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة ﴿بَلاءٌ﴾.
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ:﴾ فصلنا بين أجزائه، وأصل الفرق: الفصل، ومنه: فرق الشعر، ومنه: الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل؛ أي: يفصل، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤١]: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يعني: يوم بدر، كان فيه فرق بين الحق والباطل. هذا؛ ويقرأ بتشديد الرّاء. هذا؛ و﴿الْبَحْرَ﴾ معروف، سمي بذلك لاتساعه. ويقال: فرس بحر: إذا كان كثير الجري، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في «مندوب» فرس أبي طلحة: «وإن وجدناه لبحرا». والبحر: الملح، والماء الكثير، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. انتهى قاموس. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ أي: أخرجناكم من البحر سالمين.
﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ أي في البحر. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما حلّ بهم من الغرق. وهذا من تذكير الله لليهود الموجودين في عهد رسول الله ﷺ بما أنعم على آبائهم الأولين، وكذلك
[ ١ / ١٤٩ ]
التوبيخ، والتقريع الموجّه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيّئ الأعمال، وفاحش الفعال، والأقوال.
هذا وذكر الطّبريّ: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي، والمتاع من نساء القبط، -وأحل الله لهم ذلك؛ لأنهم حربيّون، ويجوز أخذ مال الحربي بأية طريقة كانت-فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون بذلك. فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدّيكة، فلم يصح تلك الليلة ديك، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا في الدّفن، وخرجوا في صباح تلك الليلة مشرقين، كما قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدّة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف، وكانت عدّة قوم فرعون ألف ألف ومائتي ألف.
هذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فلمّا أرادوا السير؛ ضرب عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف ﵇ لمّا حضره الموت أخذ عهدا على إخوته، وعلى بنيهم أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسدّ عليهم الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموه، فجعل ينادي: أنشد الله كلّ من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني، فسمعته عجوز منهم. فقالت له: أرأيتك إن دللتك على قبره، أتعطيني كل ما أسألك؟ فأبى عليها. وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي، فاحملني معك، وأخرجني من مصر في هذه الدنيا، وأما في الآخرة، فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا أنزلتني معك! قال: نعم.
قالت: إنّه في النيل في جوف الماء، فادع الله أن يحسر عنه الماء، فدعا الله، فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخّر عنه طلوع الفجر؛ حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموقع، فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بفلسطين، بجوار أبيه يعقوب، وجدّه إسحاق، وإبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة وألف سلام. انتهى خازن بتصرف.
والمحفوظ: أنّ النبيّ ﷺ كان جالسا يقسّم غنائم هوازن في وادي حنين، فوقف عليه رجل من الناس، فقال: إنّ لي عندك موعدا يا رسول الله! قال: «صدقت، فاحتكم ما شئت». فقال:
أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. قال: «هي لك، وقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى الّتي دلّته على عظام يوسف؛ كانت أحزم منك، وأجزل حكما منك حين حكمها موسى. فقالت: حكمي أن تردني شابة، وأن أدخل معك الجنّة، فقال لها: لك ذلك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠١] من سورة (يوسف) ﵇.
[ ١ / ١٥٠ ]
والمعروف: أنّ يعقوب دخل مصر في ستّة وسبعين نفسا من ولده، وولد ولده، فأنمى عددهم وبارك في ذرّيته؛ حتى خرجوا إلى البحر هربا من فرعون، وهم ستمائة ألف. فانطلق موسى بقومه؛ حتى انتهى إلى البحر فقال له: افرق، فقال له البحر: لقد استكبرت يا موسى! وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك؟! وقال بنو إسرائيل لموسى لمّا أدركهم فرعون بجنوده: أين المخرج، والمخلص، والبحر أمامنا، وفرعون وراءنا، وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف الله عن وجه الأرض، وأيبس لهم البحر، فلحق فرعون وكان على حصان أدهم، وخلفه عسكره، وصار في البحر اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقان وشبابيك، يرى منها بعضهم بعضا، فلمّا خرج قوم موسى من البحر، وصار قوم فرعون كلّهم داخل البحر؛ التطم عليهم البحر، فأغرقهم، وألجم فرعون الغرق، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ فدسّ جبريل ﵇ في فمه طين البحر. فقد روى الترمذيّ عن ابن عباس﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «لمّا أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل ﵇: يا محمد! لو رأيتني، وأنا آخذ من أوحال البحر، وأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وانظر ما ذكرته في سورة (طه) و(الشعراء) وغيرهما.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: ذكر الله الإنجاء، والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، فقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم الرسول ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى، وقومه، وأغرق فرعون، وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ: «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم» فصامه، وأمر بصيامه. وصيامه ﷺ ليوم عاشوراء ليس اقتداء بموسى ﵇، لما روته السيدة عائشة -﵂قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان؛ ترك صيام يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. أخرجه البخاريّ، ومسلم.
ولا يقال: إنّ قريشا صامته بإخبار اليهود لها؛ لأنّ اليهود كانوا أهل علم. وصامه رسول الله ﷺ بمكّة قبل النبوة، وبعدها، ولمّا هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومونه، قال: «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم». فصامه اتباعا لموسى ﵊، لأن النبيّ ﷺ أمر بالاقتداء بمن قبله من الرّسل بالتّوحيد، وبأصول الدّين، التي لا تختلف من شريعة إلى شريعة، وأما فروع الشرائع فالاختلاف واقع فيها، باختلاف الأزمنة.
وهذا واضح لا خفاء فيه، انظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [٩٠] تجد ما يسرك.
[ ١ / ١٥١ ]