ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وندب رسول الله ﷺ إلى صوم اليوم التاسع، ولكنّه لم يصمه، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس﵄-، قال:
قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع»، ولكنّه ﷺ توفي، وانتقل إلى الله قبل مجيء العام القابل، والغرض من صوم التاسع مخالفة اليهود في صومهم، فقد روي عن ابن عباس﵄قال: «صوموا التاسع مع العاشر، وخالفوا اليهود». وخذ ما يلي:
عن أبي قتادة﵁-: أنّ النبيّ ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله». أخرجه مسلم، والترمذيّ. ولكن أيّ ذنوب يكفرها صوم يوم عاشوراء وغيره من المعاصي؟ إنّما يكفر الصّغائر فقط، أما الكبائر؛ فلا يكفرها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وأكبر الكبائر، وأعظم الجرائم أكل حقوق العباد، والاعتداء على حرمات الناس. هذا؛ وانظر شرح قوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٩٢]: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ فإنه جيّد. والحمد لله!.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿فَرَقْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسا بكم، والأول أقوى. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملتا: (أنجيناكم، ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾) معطوفتان على ما قبلهما فهما في محل جر مثلهما.
﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الواو فقط، وإن قدّرت مفعولا محذوفا وأنتم تنظرون أغرقهم، أو إغراقهم، فالرابط يكون الواو، والضمير، وهو كلام جيد لا غبار عليه.
﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ واعَدْنا:﴾ ويقرأ: («وعدنا») بدون ألف. هذا والوعد يستعمل في الخير، وفي الشرّ. فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا. وإذا قلت:
أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلقته رقم [١٢٠]: [الطويل]
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به؛ فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
[ ١ / ١٥٢ ]
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الفتح)، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الحج) وأنشدوا قول الشاعر: [الطويل]
إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته وإن وعدت خيرا أراث وعتّما
كما يستعمل أوعد فيهما أيضا. كقولك: أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا. هذا والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة بن العبد في بيته المتقدّم.
هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما، وعند الماتريدية لا يجوز، وأما الوعد فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا، ودليل الأشاعرة قول النّبيّ ﷺ: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا، فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه». هذا والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى، والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة، والاحترام من ذوي الرأي، والحكمة من العقلاء، وقد أكّد رسول الله ﷺ أمر العهد، وشدّد في طلب الوفاء بالوعد، وبيّن: أنّ من أخلف الوعد، ونكث العهد؛ فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النّفاق، فعن أنس بن مالك﵁قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم أنه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس بن مالك: «وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم». وقال الشاعر: [الطويل]
فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها وشرّ من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعيد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل]
ووعدتني وعدا حسبتك صادقا فبقيت من طمعي أجيء وأذهب
فإذا جلست أنا وأنت بمجلس قالوا مسيلمة وهذا أشعب
﴿مُوسى:﴾ هو ابن عمران، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب، إسرائيل الله، ابن إسحاق، بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
[ ١ / ١٥٣ ]
و«مُوسى»: هو في الأصل: «موشى» بالشين، وهو اسم أعجمي، لا ينصرف للعلمية، والعجمة: مركب من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: «مو» والشجر يقال له: «شا» فعرّبته العرب، وقالوا: «مُوسى» بالسين، وسبب تسميته بذلك: أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمّه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص).
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٠].
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:﴾ خص الليالي بالذكر دون الأيام؛ لأن الليل أسبق من النّهار، فهي قبله في المرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور، والأيام تبع لها. وقال النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصّوم؛ لأنه لو ذكر الأيام؛ لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر باللّيل، فلما نصّ على الليالي اقتضت قوة الكلام: أنه ﵇ واصل أربعين يوما بلياليها، قال ابن عطية:
سمعت أبي يقول: سمعت الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري﵀يعظ الناس في الخلوة بالله، والدنوّ منه في الصّلاة ونحوها، وأنّ ذلك يشغل عن كلّ طعام، وشراب، ويقول: أين حال موسى في القرب منه، ووصل ثمانين من الدّهر من قوله حين سار للخضر لفتاه في بعض يوم: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ رقم [٦٢] من سورة (الكهف).
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: اتخذتموه من بعد ذهابه إلى جبل الطور إلها من بعد موسى، وأصل الفعل: «ائتخذتم» من: الأخذ، ووزنه افتعلتم، سهّلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار (ايتخذتم) فاضطربت الياء في التّصريف، جاءت ألفا في (ياتخذ) وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التّقرير كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ الآية رقم [٨٠] الآتية، فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير، ومنه قوله ذي الرّمّة: [البسيط]
أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طرب
ومثله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالّها.
﴿الْعِجْلَ﴾ المراد به: الذي صنعه لهم السامريّ من ذهب، كما سترى تفصيله في سورة طه.
هذا والأربعون ليلة في قول المفسرين هي: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد أن أنجاهم الله من كيد فرعون، وغرقه في البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فذهب موسى لمناجاة ربه على جبل الطور، وليطلب منه الكتاب الذي وعد قومه به، فصنع لهم السامريّ العجل، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٨]: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ﴾
[ ١ / ١٥٤ ]
﴿حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (طه) رقم [٨٨] في حق السامري:
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾. هذا؛ وسمّي العجل عجلا، لاستعجالهم عبادته، والعجل: ولد البقرة، والعجّول مثله، والجمع: العجاجيل، والأنثى عجلة، وبنو عجل قبيلة من ربيعة.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٢]: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ انظر شرحها هناك فإنه جيد والحمد لله. وقد قال القرطبي رحمه الله تعالى في سبب فتنتهم زيادة العشر فوق الثلاثين، وزلق رحمه الله تعالى. فقال: فخرج إلى الطّور في سبعين من خيار بني إسرائيل، يعني: ليسأل الكتاب، والمعتمد: أن خروجه في السّبعين لطلب التوبة من عبادة العجل، خذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٥]: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ انظر شرحها هناك يتبيّن لك وجه الحقيقة.
هذا والليلة: واحدة مفردة، أما الليل فهو واحد، بمعنى الجمع، واحدته ليلة، مثل تمر، وتمرة، وقد يجمع على ليالي، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع: ليلاة. وقد استعملوا ذلك في الشعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
يا لك من ذي جمل ما اشقاه في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه
هذا واللّيل الشّرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللّغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها. هذا؛ والنّهار ضدّ الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر وقال ابن فارس: النهر معروف، والجمع أنهر، وأنهار. ويقال: إن النّهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]
لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر ثريد ليل وثريد بالنّهر
والنّهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [٤٨]، هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا، انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآيتين السابقتين. ﴿واعَدْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
[ ١ / ١٥٥ ]