والكاف مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْتُمْ﴾ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها معترضة في آخر الكلام، ومستأنفة.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أي: أحييناكم من بعد موتكم. قال قتادة: ماتوا، وذهبت أرواحهم، ثم ردّوا لاستيفاء آجالهم، وأرزاقهم، ولإظهار آثار قدرة الله، ولو ماتوا بآجالهم؛ لم يحيوا إلى يوم القيامة. وكان موتهم عقوبة، ومنه قوله في الآية رقم [٢٤٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾. هذا؛ وبقي تكليفهم على الأصحّ، لئلا يخلو عاقل من تعبّد، وانظر إحياء الموتى في الآية رقم [٧٣] الآتية.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والتّرتيب، والمهلة؛ وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل ليس، فيقال: «ثمّت، وربّت، ولات»، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح، هذا و﴿ثُمَّ﴾ هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٦٤] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتّصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: (ثمّة).
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، معطوفة على جملة: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ في الآية السابقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: من بعد إماتتنا إيّاكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٢].
﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:﴾ سترناكم بالسّحاب الرّقيق من حرّ الشمس، وكان هذا في التّيه. و﴿الْغَمامَ:﴾ جمع: غمامة، كسحابة، وسحاب. وقال الفرّاء: ويجوز: غمائم، وهي السّحاب؛ لأنها تغمّ السماء، أي: تسترها، وكل مغطّى مغموم، ومنه المغمى على عقله. روي:
[ ١ / ١٦٥ ]
أنهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ (^١) من أرض فلسطين يسيرون من الصّباح إلى المساء، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه، ويسيرون من المساء إلى الصباح، فإذا هم في المكان نفسه، وكان ذلك في التيه عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى، وهارون، ويوشع، وكالب، فإنّ الله سهّله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهّل النار على إبراهيم، وجعلها بردا وسلاما، وكانوا أكثر من ستمائة ألف، وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة، بحيث لم يخرج منه أحد إنّما هذا من باب خرق العادة، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد، ولمّا آذاهم حرّ الشمس؛ أرسل عليهم الغمام يظلّهم في النّهار، وأرسل عليهم عمودا من نور يطلع عليهم في اللّيل، فيضيء لهم طريقهم، ويسهّل عليهم تحرّكاتهم، وكان طعامهم المنّ والسّلوى. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة الأعراف رقم [١٥٩]. (وكان ماؤهم من الحجر الذي يحملونه معهم، فيضربه موسى بعصاه، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا)، كما ستعرفه في الآية رقم [٦٠] الآتية، وأيضا في سورة الأعراف رقم [١٦٠] وكانت ثيابهم لم تبل في هذه المدّة، ولا تتّسخ وكانت تطول معهم، كما تطول الصّبيان، قال ابن عباس﵄-: «خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق، ولا تدرن»، أي: لا يصيبها وساخة، ولا قذارة.
هذا واختلف في المنّ ما هو؟ فقال ابن عباس﵄-: كان المنّ ينزل على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون ما شاءوا. وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن ادّخر منه شيئا؛ فسد عليه إلا يوم الجمعة، فإنّهم كانوا يدّخرون فيه ليوم السبت، فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم فيه شيء. وقال عبد الرحمن بن أسلم: إنّه العسل. وليس بشيء.
هذا؛ وقيل: المنّ مصدر، يعم جميع ما منّ الله به على عباده من غير تعب، ولا زرع، ومنه قول رسول الله ﷺ في حديث سعيد بن عمرو بن نفيل (أحد العشرة المبشرين بالجنة﵁-): «الكمأة من المنّ الّذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين». رواه مسلم.
قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: إنّما شبهها بالمنّ؛ لأنه لا مئونة فيها ببذر، ولا سقي، ولا علاج، فهي منه، أي من جنس منّ بني إسرائيل في أنّه كان دون تكلّف. قال بعض أهل العلم بالطّبّ: الكمأة شفاء للعين، إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة، فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك، فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة﵁إلى استعمالها بحتا في جميع أمراض العين، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض
_________________
(١) ١) الفرسخ: مسافة تبلغ ثلاثة أميال هاشمية، والميل الهاشمي (٥٧٦٠) مترا (المعجم المدرسي).
[ ١ / ١٦٦ ]
كلّها حتى في الكحل. (﴿السَّلْوى﴾): قال ابن عطية: طير بإجماع المفسرين. وقيل: هو السّمانى بعينه، وقد غلط خالد بن زهير الهذليّ، فظنّه العسل، فقال: [الطويل]
وقاسهما بالله جهدا لأنتم ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها
وقال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير، وهو ابن عمر السّدوسي: إنّه العسل، واستدل ببيت الهذلي، وذكر: أنه كذلك بلغة كنانة، سمّي به؛ لأنه يسلى به، ومنه عين السّلوان، وأنشد قول الشاعر: [الرجز]
لو أشرب السّلوان ما سليت ما بي غنى عنك وإن غنيت
وقال الجوهريّ: والسّلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي، لذا ما ادّعاه ابن عطية من الإجماع من أنه طير لا يصحّ، ويمكن القول: أنه يطلق على الطير المذكور وعلى العسل، والسّلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون: إذا صبّ عليها ماء المطر، فشربه العاشق سلا، قال الشّاعر: [الطويل]
شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو
واسم ذلك الماء: السّلوان، وقال بعضهم: السّلوان: دواء يسقاه الحزين، فيسلو، والأطباء يسمّونه المفرّح. ويقال: سليت، وسلوت لغتان، هذا وقال الأخفش: السّلوى: جمع لا واحد له من لفظه، مثل: الخير، والشر. وقال الخليل: واحده: سلواة، وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
وإنّي لتعروني لذكراك سلوة كما انتفض السّلواة من بلل القطر
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ:﴾ هو على تقدير: وقلنا لهم: كلوا من حلالات ما رزقناكم، ولا تدّخروا لغد. فخالفوا، وادخروا، فدوّد، وفسد: فقطع الله عنهم ذلك، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطّعام، ولم يخنز اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدّهر». متّفق عليه، لم يخنز اللّحم: لم ينتن، ولم يتغيّر. هذا والأمر أمر إباحة، وإرشاد، وامتنان. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ أي: بكفرهم، وجحودهم هذه النّعم. ويقدّر قبله:
فعصوا، ولم يقابلوا هذه النعم بالشّكر. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمقابلتهم النعم بالمعاصي.
وكلّ من خالف أوامر الله فإنما يظلم نفسه؛ لأن وبال ذلك يعود عليه. وهذه الجملة تكرر ذكرها في عشر آيات، وخذ قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٦]: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا والجمع بين صيغتي الماضي، والمضارع: ﴿ظَلَمُونا﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ للدلالة على تماديهم في الظلم، واستمرارهم على الكفر.
الإعراب: (﴿ظَلَّلْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَمامَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. (﴿أَنْزَلْنا﴾): فعل وفاعل.
﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمَنَّ:﴾ مفعول به. (﴿السَّلْوى﴾): معطوف على ما قبله منصوب مثله،
[ ١ / ١٦٧ ]