ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأول يكون صريحا مثل: «أدخلت خالدا البيت». ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة، ولا وجه له؛ لأنه غير مشتق، وجملة (﴿اُدْخُلُوا﴾): في محل نصب مقول القول.
﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.
﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والتقدير: من ثمرها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وقيل: متعلق بمحذوف حال، أي: منتقلين، ومتقلبين. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت فيما تقدّم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿رَغَدًا:﴾ حال من واو الجماعة. قاله أبو البقاء. التقدير: كلوا مستطيبين، متهنئين. ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كلوا أكلا رغدا. وجملة: (كلوا) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة. (﴿قُولُوا﴾): أمر، وفاعله. ﴿حِطَّةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا حطة، وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق محذوف، التقدير:
أن تحطّ عنا ذنوبنا حطة، أي: حطّا. وقيل: هو منصوب ب (﴿قُولُوا﴾) وعلى هذا ف «أن» والفعل في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا الحط من ذنوبنا. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُولُوا﴾) في محل نصب مقول القول ل ﴿قُلْنَا﴾.
﴿نَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تقولوا نغفر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، وقرئ بالتاء على أنه مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَطاياكُمْ:﴾ مفعول به، أو هو نائب فاعل، فهو منصوب، أو مرفوع، والنصب، أو الرفع مقدر على الألف المقصورة للتعذّر، وجملة:
﴿نَغْفِرْ﴾ لا محل لها على اعتبارها جوابا للأمر، أو جوابا لشرط مقدّر، وتعود لتكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَسَنَزِيدُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. السين: حرف استقبال. (نزيد): فعل مضارع والفاعل تقديره: نحن. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير:
ثوابا، أو خيرا. والجملة الفعلية معترضة بين المتعاطفتين، مفيدة للتأكيد، وتقوية المغفرة.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ فيه حذف، وتقديره: فبدل الذين ظلموا بالّذي قيل قولا غير الّذي قيل لهم. و(بدّل) يتعدّى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء
[ ١ / ١٧١ ]
متروك والذي بغير باء موجود، ومثل الآية قول أبي النّجم العجلي، وهو الشاهد رقم [٧١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
وبدّلت والدّهر ذو تبدّل هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل
فالذي انقطع عنها: الصّبا، والذي صار لها: الهيف. وقال أحمد بن يحيى: يقال: بدّلته، أي: غيرته، ولم أزل عينه، وأبدلته: أزلت عينه، وشخصه، فقد روى مسلم عن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا:
حطّة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة». وأخرجه البخاريّ: «وقالوا: حطّة حبّة في شعرة». وفي غير الصحيحين: «حنطة في شعر». وقيل: قالوا: هطّا سمهاثا، وهي لفظة عبرانيّة، تفسيرها: حنطة حمراء. حكاها ابن قتيبة. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا، وتمرّدوا، واستهزءوا، فعصوا بالقول، والفعل، فعاقبهم الله بالرّجز، وهو العذاب؛ قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا.
﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ وضع الله الظاهر مكان الضّمير؛ فلم يقل: فأنزلنا عليهم؛ لزيادة التقبيح، والمبالغة في زيادة التّوبيخ، والمبالغة في الذّمّ، والتّقريع. هذا؛ والرّجز: العذاب، والمراد: الطاعون، كما تقدّم، وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تنبيه على أنه لا يمكن ردّه، ودفعه، بخلاف عذاب، وبلاء في الأرض يقع من يد آدمي، فهذا يمكن ردّه، ودفعه، كالهدم، والغرق، ونحوهما. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بفسقهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله تعالى. وانظر الآية رقم [٢٦] لشرح الفسق، وفي آية الأعراف: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
تنبيه: الآية الكريمة، وسابقتها كلتاهما موجودتان بسورة الأعراف رقم [١٦٠ و١٦١] بمعنى واحد تنصّان على حادثة واحدة مع اختلاف في بعض الكلمات، وإبدال حرف بحرف، وهذا لا يغيّر المعنى، وإن تغيّر الإعراب من بعض الوجوه. وذكرت لك فيما تقدّم: أن الحادثة جرت في عهد يوشع بن نون بعد خروج بني إسرائيل من التّيه، ووفاة موسى، وهارون، على نبينا وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، مع وجود الاختلاف في القرية الّتي أمروا بدخولها، هل هي بيت المقدس، أو أريحاء؟.
الإعراب: (بدّل): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿ظَلَمُوا:﴾
فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول به ل (بدّل). ﴿غَيْرَ:﴾ صفة: ﴿قَوْلًا﴾ و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني
[ ١ / ١٧٢ ]
للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ تقديره: هو، وهو العائد. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أنزلنا): معطوفة على جملة: (بدّل) فهي في محل جر أيضا. ﴿رِجْزًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار، ومجرور، متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجْزًا﴾. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر (ما): مصدرية، ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ و(ما) والفعل (كان) في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا)، واعتبار (ما) موصولة أو موصوفة فيه ضعف ظاهر؛ لأن المعنى بسبب فسقهم.
تنبيه: استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبّد بلفظها، أو بمعناها، فإن كان التعبّد بلفظها؛ فلا يجوز تبديلها؛ لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن كان التعبد بمعناها؛ جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه.
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحكي عن الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابهم: أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور، ومنع ذلك جمع كثير من العلماء، منهم:
ابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وقال مجاهد: أنقص من الحديث، ولا تزد فيه إن شئت، وكان مالك بن أنس يشدّد في حديث رسول الله ﷺ في التاء، والياء، ونحو هذا.
وعلى هذا جماعة من أئمّة الحديث؛ لا يرون إبدال اللفظ، ولا تغييره حتّى إنهم يسمّونه:
ملحونا، ويعلمون ذلك، ولا يغيّرونه، وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد، قال: قال عمر بن الخطاب﵁-: من سمع حديثا، فحدّث به، كما سمع؛ فقد سلم، وكذا الخلاف في التقديم، والتأخير، والزيادة، والنقصان، فإن منهم من يعتد بالمعنى، ولا يعتد باللفظ ولكن أكثر العلماء على خلافه، والقول بالجواز هو الصّحيح، إن شاء الله تعالى.
وذلك: أنّ المعلوم من سيرة الصحابة﵃-، هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتّحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني، ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث، ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأسقع﵁-: أنّه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله ﷺ نقلناه إليكم، حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى: لقيت عدّة من أصحاب النّبيّ ﷺ فاختلفوا علي باللفظ، واجتمعوا في المعنى.
[ ١ / ١٧٣ ]