﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا خطاب للأبناء بما فعل الآباء، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ، والتقريع إليهم؛ لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة الرّسل. ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كانوا نتانى؛ أهل كرّاث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء-والعكر بكسر الكاف: العادة، والديدن، وبالفتح دردي كل شيء-واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم. فقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وكنوا عن المنّ، والسّلوى بطعام واحد، وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر. فلذلك قالوا: طعام واحد. وقيل: لتكرار هما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصّلاة، والصوم، والقراءة: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك، انتهى. قرطبي بتصرف.
هذا؛ والطعام يطلق على ما يطعم، ويشرب، قال تعالى في الآية رقم [٢٤٩] الآتية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ والمراد ماء النهر، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٣]: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي: ما شربوه من الخمر. هذا؛ والطّعم بالضم:
الطعام، قال أبو خراش: [الطويل]
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم
أراد بالأول الطّعام، وبالثاني ما يشتهى منه. ﴿مِنْ بَقْلِها:﴾ البقل معروف، وهو: كلّ نبات ليس له ساق مثل الخضر من السلق وغير ذلك، والشّجر: ما له ساق. ﴿وَقِثّائِها﴾ بكسر القاف، وقد تضم، وهو أيضا معروف، ويطلق على الخيار، وقيل في جمعه: قثّائيّ، مثل:
علباء، وعلابيّ، إلا أن قثاء من ذوات الواو. هذا؛ وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز عقليّ؛ لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى.
فائدة: روى ابن ماجة: قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة﵂قالت: كانت أمي تعالجني للسّمنة،
[ ١ / ١٧٩ ]
تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ، فما استقام لها ذلك حتّى أكلت القثّاء بالرّطب، فسمنت كأحسن سمنة. وهذا إسناد صحيح، وتريد بالدّخول على رسول الله ﷺ زفها له عروسا. والله أعلم. ﴿وَفُومِها:﴾ اختلف في الفوم، فقيل: هو الثّوم؛ لأنه المشاكل للبصل، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: مغافير، ومغاثير لصمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست طيبة، وجدث وجدف للقبر، وقرأ ابن مسعود﵁-: («ثومها») بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس -﵄-. وقال أميّة بن أبي الصّلت، الذي آمن شعره، ولم يؤمن قلبه: [البسيط]
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل
وقال حسّان بن ثابت﵁-: [المتقارب]
وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل
يعني: الثوم، والبصل، وهو قول الكسائي، والنضر بن شميل. وقيل: الفوم: الحنطة، روي عن ابن عباس أيضا، وأكثر المفسرين، واختاره النّحاس، وقال: وهو أولى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح، وإن كان الكسائيّ، والفرّاء، قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء، والإبدال لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب، وأنشد ابن عباس -﵄لما سأله عن الفوم، وأنّه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح: [الكامل]
قد كنت أغنى النّاس شخصا واحدا ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال أبو إسحاق الزجّاج: وكيف يطلب القوم طعاما لا برّ فيه؟ والبرّ أصل الغذاء، وقال الجوهري أبو نصر: الفوم: الحنطة، وأنشد الأخفش: [الوافر]
وقال ربيئهم لمّا أتانا بكفّه فومة أو فومتان
تنبيه: الثّوم، والبصل، والفجل، والكرّاث من الخضراوات ذات الرّائحة المكروهة، فالرّسول ﷺ كان لا يأكل شيئا من هذه الخضراوات، وعلّل كراهته لأكلها لأحد أصحابه: «كلّ فإنّي أناجي من لا تناجي». أخرجه مسلم. فهذا بيّن في الخصوص له، والإباحة لغيره، وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب﵁-: أنّ النبيّ ﷺ نزل عنده، في أول مقدمه المدينة مهاجرا، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلمّا ردّ إليه سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ فقيل له:
لم يأكل، ففزع، وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟ قال: «لا؛ ولكنّي أكرهه» قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. فالنّبيّ ﷺ لم يحرم هذه الخضراوات على أمّته، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال النبي ﷺ: «من أكل البصل، والثّوم، والكرّاث، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم».
أخرجه مسلم، ورواه الطّبراني، في الأوسط، والصّغير، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه الخضراوات: الثّوم، والبصل، والكرّاث، والفجل، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ
[ ١ / ١٨٠ ]
الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم». وعن أبي سعيد الخدري﵁-: أنه ذكر عند رسول الله ﷺ الثّوم، والبصل، وقيل: يا رسول الله! وأشد ذلك الثّوم، أفتحرمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «كلوه فمن أكله منكم فلا يقرب المسجد حتّى يذهب ريحه منه». رواه ابن خزيمة في صحيحه.
وعن عمر بن الخطاب﵁-: أنّه خطب يوم الجمعة، فقال في خطبته: «ثم إنكم يا أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما؛ فليمتهما طبخا». رواه مسلم، والنسائي.
﴿وَعَدَسِها﴾ العدس: معروف، والعدسة بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت و«عدس» زجر للبغال، قال يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وهو الشّاهد رقم [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
عدس ما لعبّاد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق
والعدس: شدّة الوطء والكدح أيضا، وعدست المنية إليه، أي: سارت، قال الكميت: [الطويل]
أكلّفها هول الظّلام، ولم أزل أخا اللّيل معدوسا إليّ وعادسا
أي: يسار إليّ بالليل. وعدس: لغة في حدس. قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي ﷺ من حديث عليّ﵁-: أنه قال: «عليكم بالعدس: فإنه مبارك مقدّس، وإنه يرقّ القلب ويكثر الدّمعة، فإنّه بارك فيه سبعون نبيّا، آخرهم عيسى ابن مريم». ذكره الثعلبي وغيره، قال الحليمي: والعدس، والزيت طعام الصّالحين، لو لم يكن له فضيلة: إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينته، لا تخلو منه؛ لكان فيه كفاية، وهو يخفف البدن، فيجفّ للعبادة، ولا تثور منه الشّهوات كما تثور من اللّحم.
﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر، ومنه البدل، أي: تطلبون إبداله، والسين والتاء للطلب. ﴿أَدْنى﴾ ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون فأخّرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع ومعنى الجملة: أتستبدلون البقل، والقثاء، والفوم، والبصل الذي هو أدنى بالمنّ، والسّلوى الذي هو خير؟! والخيرية بسبب: أنّ المن، والسّلوى ألذّ، وأطيب ممّا طلبوه، وأنهما لا كلفة فيهما، ولا تعب، والذي طلبوه لا
[ ١ / ١٨١ ]
يجيء إلا بالحرث، والزّراعة، والتعب، وأنّهما لا مرية في حلّهما، وخلوصهما؛ لنزولهما من عند الله، وما يخرج من الأرض يتخلّله البيع، والغشّ، واللّفّ، والدّوران، فكان أدنى من هذه الوجوه.
﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: انزلوا، وأصل النزول من أعلى إلى أسفل، وانظر الآية رقم [٣٦]، وصرف ﴿مِصْرًا﴾ لأن المراد به مصر من الأمصار، فهو نكرة بسبب تنوينه، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ﵁. وقيل: بل المراد مصر فرعون؛ التي كانوا فيها في عهده، واستدل القائلون بهذا بما في القرآن من أنّ الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون، وآثارهم. وأجازوا صرفها، قال الأخفش، والكسائيّ: لخفتها، وشبهها ب «هند»، و«دعد» يعني بسكون الوسط، قال الشاعر: [المنسرح]
لم تتلفّع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلب
وقال الحطيئة وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
ألا حبّذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النّأي والبعد
﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم من البقول، والنباتات المذكورة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: ألزموها، وقضي عليهم بها، كناية عن إحاطتها بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه. وهذا كان على قبائل اليهود، وعلى نسلهم إلى زمن قريب، ويسمّى ذلك استعارة بالكناية، قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل]
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى في قبّة ضربت على ابن الحشرج
هذا؛ و﴿الذِّلَّةُ﴾ الذلّ، والصّغار، والمسكنة، والفقر، فلا يوجد يهوديّ-وإن كان غنيّا- خاليا من زي الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، فبخت نصّر المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما سترى في أول سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس؛ فرض عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسها أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين
[ ١ / ١٨٢ ]
مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلا سلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، وغيره.
وعن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن».
فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.
وعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول عبد الله بن مسعود﵁-: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله.
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك، وصاروا أحقاء به، ومنه قوله ﷺ في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي» أي:
أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك، لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ رقم [٢٩]، وأصله في اللغة الرّجوع، ومثله «آب» بتقديم الهمزة على الباء، وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٧٧]: [الوافر]
فابوا بالنّهاب وبالسّبايا وأبنا بالملوك مصفّدينا
أي: رجعوا، ورجعنا. وقد تقدّم معنى «الغضب» في سورة الفاتحة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة، والمسكنة، والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله، أي: بالتوراة، أو بالمعجزات التي أجراها الله على يد موسى تأييدا لنبوّته، وتقوية لحجّته ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعياء. فعن عبد الله بن مسعود﵁-، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النّهار. رواه أبو داود الطيالسي، بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا، وكلمة «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين» أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ حين طعن أبيّ ابن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا لموته.
[ ١ / ١٨٣ ]
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ معلوم: أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ، فصرح بقوله:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ للتشنيع عليهم، فلم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين، وقتل الأنبياء؟! قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في علوّ مقاماتهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك خذلانا لهم. قال ابن عباس، والحسن﵃-: لم يقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال؛ نصره. ومعلوم:
أنّ نبينا ﷺ أمر بقتال، فنصر بذلك.
﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا:﴾ الإشارة إلى ما تقدّم، والعصيان: خلاف الطاعة. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون حدود الله، فينتهكونها. ويؤخذ من هذا: أن صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها، كما أنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية الله إلى عظائم الأمور؛ حيث قتلوا الأنبياء، واستحلوا المحرّمات، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمد ﷺ وتحريف التوراة، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم.
هذا؛ و(نبيّون) جمع نبي، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبيّ يخبر عن ربه. وقيل: بل مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنّ رتبة النبيّ ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبيّ غير الرسول، بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة الحجّ رقم [٥٢]:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأنّ كل رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولا، أمّا تعريفهما؛ فالرّسول: ذكر، حرّ، من بني آدم، سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبيّنا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا، بنزول صدر سورة (المدثر) عليه.
هذا؛ ويروى: أنّ أبا ذرّ﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط، هذا: وأربعة منهم من العرب، هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ. وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوّجه بامرأتين منهم. والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين، وأعني بمعرفتهم:
أنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم، فيجب عليه أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا وقال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
[ ١ / ١٨٤ ]
هذا؛ وقد روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: كلّ الرّسل من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. هذا؛ وذكروا من أنبياء العرب حنظلة بن صفوان بعث لأصحاب الرّس، وخالد بن سنان العبسي، انظر أصحاب الرّس في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) فإنّه جيد. والحمد لله!.
هذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٣٨] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأنّ الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة منهم لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، هم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، وآدم، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]
حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة بأنبياء على التّفصيل قد علموا
في تلك حجّتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ويعني قوله في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات (الأنعام) المذكورة، وينبغي أن تعلم أن هؤلاء الرّسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيّد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمّد صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما.
والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-يجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النّساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية من ضعف، وشيخوخة، إلا أنّهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: «الصدق، والأمانة، والتّبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النّبوّة، وبعدها، والسّلامة من العيوب المنفّرة، ويستحيل عليهم ضدّها».
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية السابقة. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿مُوسى﴾):
مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب (﴿يا﴾) النداء، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول ﴿لَنْ﴾ حرف ناصب. ﴿نَصْبِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب، والفاعل
[ ١ / ١٨٥ ]
مستتر تقديره: نحن. ﴿عَلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ:﴾ صفة ﴿طَعامٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْعُ:﴾ الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وصحيحا؛ فادع إلخ. (ادع): فعل أمر، وطلب، والتماس، مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. من: إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿يُخْرِجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الطلب المقدر، أو هو مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تدع يخرج، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الجازم. ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومفعوله محذوف، التقدير:
يخرج لنا شيئا، أو مأكولا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة المفعول المحذوف يؤيده المعنى. هذا؛ وقال الأخفش: (من) زائدة في الإيجاب و(ما) هي المفعول به. ﴿تُنْبِتُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخرج لنا من الذي، أو من شيء تنبته الأرض. ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، الواقع مفعولا به. وقيل: هما بدل من ﴿مِمّا﴾ بدل بعض من كل. ﴿وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها:﴾
معطوفات على ﴿بَقْلِها﴾ بالواو العاطفة، و(ها) في محل جر بالإضافة.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى. وقيل: بل الفاعل هو الله، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي كلام مستأنف لا محل له من الإعراب؛ إذ هو بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْنى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وصلة الموصول الجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾.
والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿اِهْبِطُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِصْرًا:﴾
مفعول به، وقل فيه مثل ما رأيت في الجملة: ﴿اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] فهي مثلها بلا فارق؛ لأن هبط بمعنى نزل، ودخل، وسكن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، وتقدير الكلام: فأبوا أن يرجعوا عن طلبهم، فدعا موسى ربه، فقال الله تعالى:
[ ١ / ١٨٦ ]
﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا..﴾. إلخ، ويبعد أن يكون من كلام موسى ﵇. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها مؤخرا. ﴿سَأَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي سألتمونا إيّاه، وجملة: (إنّ) تعليل للأمر لا محل لها.
﴿وَضُرِبَتْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿ضُرِبَتْ﴾): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّلَّةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿الْمَسْكَنَةُ﴾): معطوف عليه، والجملة الفعلية معترضة بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآتي، والغرض من هذا الاعتراض بيان ما حلّ باليهود من الصّغار، والهوان في الدنيا، ولعذاب الآخرة أنكى، وأخزى. (﴿باؤُ﴾): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَضَبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: رجعوا مغضوبا عليهم، وهو جيد، معنى.
﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنّه مصدر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة في رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ﴾ مستأنفة لا محل لها. (﴿يَقْتُلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مبطلين بغير، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿وَيَقْتُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها.
﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، وهي
[ ١ / ١٨٧ ]