ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهي زائدة، والجملة الاسمية على هذين الوجهين في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون (من) بمعنى الّذي مبنيّا على السكون في محل نصب بدلا من اسم (إنّ) والعائد محذوف أيضا.
والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقد حمل على لفظ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ و(﴿عَمِلَ﴾) فوحّد الضمير، وحمل على معناها قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ فجمع الضمير. وهذا واقع في الآيات القرآنية؛ لأنّ ﴿مَنْ﴾ تصلح للمفرد والمثنى، والجمع. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، وموجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ:﴾
فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأن (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرّفع أيضا. ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك: (فلا خوف) بمعنى: ليس. انتهى قرطبي. وقد ذكرت لك: أنّها إذا تكررت؛ أهملت؛ أي: لا تعمل عمل ليس.
تنبيه: الآية مذكورة بحروفها في سورة (المائدة) برقم [٦٩]، والقراءة هناك (﴿وَالصّابِئُونَ﴾) انظر إعرابها وما ذكرته تبعا لها، فإنه جيد، والحمد لله!.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ بهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الميثاق:
العهد، وأصله: الموثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والجمع: المواثيق، فهو من: وثق، يثق، وإسناد أخذ الميثاق إليه تعالى من حيث: أنه أمر موسى بذلك؛ لأنه غيرممكن أن يحصل ذلك مباشرة بين الله وبينهم. هذا؛ و﴿الطُّورَ﴾ يطلق في الأصل على جبل مخصوص في فلسطين كان موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يناجي ربه عليه، كلّما أراد مناجاته، ومخاطبته.
ومناسبة الآيات لما قبلها: أنه لما ذكّرهم الله بالنّعم الجليلة؛ الّتي أنعمها عليهم؛ أردف
[ ١ / ١٩١ ]
ذلك ببيان ما حل بهم من نقم جزاء كفرهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السّبت، فمسخهم الله إلى قردة.
وهكذا شأن كلّ أمّة عتت عن أمر ربها، وعصت رسله. وإنما قال: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولم يقل:
مواثيقكم؛ لأن المراد ميثاق كل واحد منكم، كقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: يخرج كلّ واحد منكم طفلا. وقال بعض أهل اللّطائف: كانت نفوس بني إسرائيل خبيثة من ظلمات عصيانها، تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر في غلوائها، وعلوّها في حلّتي كبر، وإعجاب، فلما أمروا بأخذ التوراة، ورأوا ما فيها من أثقال؛ ثارت نفوسهم، فرفع الله عليهم الجبل، فوجدوه أثقل ممّا كلفوه، فهان عليهم حمل التوراة، قال الشاعر: [الطويل]
إلى الله يدعى بالبراهين من أبى فإن لم يجب نادته بيض الصّوارم
هذا كلّه من صفوة التّفاسير بتصرّف بسيط.
كان سبب رفع الجبل فوقهم: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربه؛ ليحكم بينهم فيه، فسأل ربّه، فأعطاه التّوراة، فلما رأوا ما فيها من التكاليف الشاقّة؛ كبرت عليهم، فأبوا قبولها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇، فقلع جبل الطّور من مكانه، وكان على قدر عسكرهم، وفوق رءوسهم قدر قامتهم كالظلة، وقيل لهم: إن لم تقبلوا التّوراة؛ وإلا أنزلته عليكم، فقبلوها مكرهين، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى، وهم سجود، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، وقالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله، ورحم بها عباده، فلما رفع عنهم الجبل رجعوا إلى الامتناع. وهو ما تفيده الآية التالية.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ:﴾ اقبلوا التوراة، والتعاليم الإلهيّة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدّ، واجتهاد، وكثرة درس، ونيّة، وإخلاص، واذكروا ما فيه، أي: تدبّروه، واحفظوا أوامره، ووعيده، ولا تنسوه، ولا تضيعوه. هذا؛ والمقصود من الكتب التي يقرؤها كلّ واحد أن يعمل بمقتضاها، ولا يكتفي بتلاوتها باللّسان، فإنّ ذلك نبذ لها على ما قاله الشّعبيّ، وابن عيينة. وقد روى النّسائي عن أبي سعيد الخدري﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن من شرّ النّاس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه»، وقال الإمام مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا، وأخذ عليهم؛ فهو لازم لنا، وواجب علينا، قال الله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٥]: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأمرنا باتباع كتابه، والعمل بمقتضاه، لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود، والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب، والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل، وطلب الرئاسة، واتّباع الأهواء. وروى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدّرداء -﵁قال: كنّا مع رسول الله ﷺ، فشخص ببصره إلى السّماء، ثم قال: «هذا أوان
[ ١ / ١٩٢ ]