وأعيدت الحجارة بلفظها للبيان، والإيضاح، ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَشَّقَّقُ﴾ لا محل لها مثلها؛ لأنها صلة الموصول، وجملة: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مثلها في إعرابها.
﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿اللهِ﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وبعضهم يعتبر (ما) تميمية، فيعتبر لفظ الجلالة مبتدأ، والباء مزيدة في خبره و(غافل) اسم الفاعل، ففاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب حال من الكاف في ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا، والمعنى لا يأباه، ﴿عَمّا:﴾
جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما الله بغافل عن الذي، أو عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: وما الله بغافل عن عملكم.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ:﴾ هذا الخطاب للنبيّ ﷺ ولأصحابه، والاستفهام إنكاريّ، أو استبعادي، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي: إن كفروا فلهم سابقة في ذلك، وذلك: أنّ الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف، والجوار الذي كان بينهم. هذا؛ والطّمع: نزوع النّفس إلى الشيء، وتعلّقها به، والحرص على حصوله، وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة، وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، ويقال:
طمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن فعل، ويقال في التعجب: طمع الرّجل بضم الميم، أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع، ولا تمكّن.
﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ الفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرق، وفي الكثير: فرقاء.
وقال الأعلم-رحمه الله تعالى-: الفريق يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد.
[ ١ / ٢١٦ ]
﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الربيع، وابن إسحاق: المراد: السّبعون الذين اختارهم موسى للاعتذار عن عبادة بني إسرائيل العجل، فسمعوا كلام الله، فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم. وهذا ضعيف جدّا، والمعتمد الأوّل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
قال مجاهد، والسّدّي: هم علماء اليهود؛ الّذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا، والحلال حراما اتّباعا لأهوائهم. وأيضا حرّفوا ما فيها من صفة النبي ﷺ، وحرّفوا آية الرّجم، ويفسّرون التوراة بما يشتهون، ففي صفات النبي ﷺ كتبوا بدل «أكحل العين، ربعة، أجعد الشعر، حسن الوجه»: أزرق العين، سبط الشّعر، طويلا إلخ.
هذا؛ والفعل (يسمع) من الأفعال الصّوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محلّ نصب حال؛ إن كان المتقدّم معرفة؛ مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
هذا؛ والكلام بالنسبة إلى البشر يدلّ على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا. تريد: تكلّمك إيّاه. وقال الشاعر: [البسيط]
قالوا: كلامك هندا وهي مصغية يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
وثانيها: ما يدور في النّفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه اللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمّى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
ثالثها: كلّ ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (التوبة) رقم [٦]: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في سورة (آل عمران) رقم [٤١]: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي الّذي نفى الكلام اللّفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
[ ١ / ٢١٧ ]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
والدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١] حكاية عن قول السماء والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنهما تكلمتا حقيقة، وقال آخرون: إنهما لما انقادتا لأمر الله ﷿؛ نزل ذلك منزلة القول، والكلام، وانظر شرح القول في الآية رقم [٢٦].
﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ:﴾ من بعد ما فهموه، وضبطوه بعقولهم، وانظر العقل في الآية [٤٤].
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أي: أنهم مبطلون مفترون. والمعنى: أنّ أحبار اليهود كانوا على هذه الحالة من التحريف، والتغيير، والتبديل لكلام الله، فكيف تتوقعون إيمان سفلتهم، وجهالهم، وأنهم إن كفروا؛ فلهم سابقة في ذلك.
الإعراب: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري استبعادي. واختلف في مثل هذا التركيب؛ أي: دخول الهمزة على الفاء، وعلى الواو، وعلى ثمّ، فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدّمة من تأخير، لأن لها الصّدر، ولا حذف في الكلام، والتقدير: فأ تطمعون، وأ لا يعلمون إلخ. وذهب الزمخشري إلى أنّها داخلة على محذوف، وعليه سياق الكلام، والتقدير هنا: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون. الفاء: حرف عطف.
(تطمعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهذا على تأويل الفعل ب «ينقادوا»، وأما على تأويله ب «صدقوكم»، فاللام زائدة، والكاف مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تطمعون).
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم (﴿كانَ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿كَلامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وأجاز قوم أن تكون الجملة صفة ل ﴿فَرِيقٌ،﴾ و﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر. وهو ضعيف، والجملة الفعلية: (﴿قَدْ كانَ﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.
[ ١ / ٢١٨ ]