﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحَرِّفُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَقَلُوهُ﴾ صلته، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، ويكون المصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من بعد عقلهم له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة بقوله: عقلوه فتكون حالا مؤكدة؛ لأنّ معناها قد فهم من قوله: ﴿عَقَلُوهُ﴾. والأولى اعتبارها حالا من واو الجماعة بقوله:
﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يحرفونه حال علمهم بذلك. تأمل، وتدبر.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾
الشرح: قال الخازن رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، قال ابن عباس﵄-: إنّ منافقي اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، وإن صاحبكم لصادق، وإن قوله الحق، وإنّا نجد نعته، وصفته في كتابنا.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا:﴾ انظر الآية رقم [١٤] ففيها البحث كاف واف مع ملاحظة الفرق بأنّ ما هنا نزل بمنافقي اليهود، وما هناك نزل بمنافقي العرب: عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه. ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهما من رؤساء اليهود لاموا المنافقين منهم على ذلك. ﴿قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قصّ، وبيّن، وفصّل في كتابكم التوراة من صفة محمد ﷺ، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٨٩]: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ وما يشبهها في سورة (الشعراء) رقم [١١٨]، وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٩]: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ:﴾ ليحتجّوا عليكم بما أنزل الله في كتابه، أو ليحتجوا عليكم بقولكم، يقولون لكم: كفرتم به بعد أن عرفتم صدقه. والمراد بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ رقم [٣١] من سورة (الزّمر). هذا؛ والحجة: الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجّة الطريق الواضحة، وحاججت فلانا، فحججته؛ أي: غلبته بالحجّة، ومنه الحديث الذي ذكرته في الآية رقم [٣٦]:
«فحجّ آدم موسى»؛ أي: فغلبه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ هذا من قول الأحبار اللائمين للمنافقين منهم.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين؛ أي: أفلا تعقلون: أنّ اليهود لا يؤمنون بالله، ونبيكم، وهم بهذه الأحوال المعوجّة المنحرفة عن الصّراط المستقيم.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لَقُوا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ فهو في محل نصب حال. وفي السمين: وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود، والمنافقين، والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها، وهي: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ،﴾ والتقدير: كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت، وكيت؟! انتهى. جمل.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): مثل سابقتها. ﴿خَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿خَلا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري وتوبيخي. (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾): فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.
و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿فَتَحَ:﴾ فعل ماض. الله: فاعله.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو بشيء فتحه الله عليكم. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بفتح الله عليكم، وجملة: ﴿قالُوا﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها: كلام معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الصّيرورة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾).
[ ١ / ٢٢٠ ]