ثمّ حذف «أن» فارتفع الفعل، والثالث: أنّ الجملة الفعلية في محل نصب حال، التقدير: أخذنا ميثاقهم موحّدين، وهي حال مصاحبة، ومقدرة؛ لأنهم كانوا وقت أخذ العهد موحّدين، والتزموا الدوام على التّوحيد، والوجه الرابع: أن يكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، التقدير: قلنا لهم: لا تعبدوا. هذا؛ وذكر الجمل: أنّه يحتمل أن تكون الجملة مفسرة لأخذ الميثاق، ثمّ قال:
ولا محل لها حينئذ من الإعراب. انتهى بتصرّف، وهو منقول من السمين.
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أحسنوا بالوالدين، والجملة هذه معطوفة على جملة: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ولا سيما على الوجه الأول، والاستئناف ضعيف. ﴿إِحْسانًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل المقدّر. وقيل: هو مفعول به على تقدير المحذوف: استوصوا. وقيل: هو مفعول لأجله، والأول أقوى، وآكد. ﴿وَذِي:﴾ معطوف على الوالدين مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(﴿ذِي﴾) مضاف، و﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.
(﴿قُولُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلنّاسِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿حُسْنًا:﴾ صفة مصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا؛ إذ التقدير: قولوا قولا ذا حسن، فحذف المضاف، وحلّ المضاف إليه محلّه، أو التقدير: قولوا قولا حسنا، وجملة ﴿وَقُولُوا:﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،﴾ وأيضا جملتا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ معطوفتان عليها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فقبلتم، ثم توليتم، والجملتان المقدّرة والمذكورة معطوفتان على جملة: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَ؛﴾ فهما في محل جرّ مثلها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾ مستثنى من تاء الفاعل، وقال أبو البقاء: قرئ بالرفع شاذّا، ووجهه أن يكون فاعلا بفعل محذوف، التقدير: امتنع قليل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إلا قليل منكم لم يتولّ، وعليه فالجملة على الاعتبارين في محل نصب حال من تاء الفاعل، ويجوز أن يكون توكيدا للضمير المرفوع المستثنى منه. انتهى بتصرف كبير. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلًا﴾ أو بمحذوف صفة له. (﴿أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكّدة لمعنى التولّي.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضا؛ لأن من أراق دم غيره؛ فكأنما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز بأدنى
[ ١ / ٢٣٣ ]
ملابسة. وقيل: لما كانت ملّتهم واحدة، وأمرهم واحد، وكانوا في الأمم كالشّخص الواحد؛ جعل قتل بعضهم بعضا، وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم، ونفيا لهم، وقد قال نبيّنا المعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم». وهو يريد دماء وأموال المؤمنين؛ لأن المؤمنين إخوة، وقال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى». وفي رواية: «إن اشتكى عينه؛ اشتكى كلّه، وإن اشتكى رأسه؛ اشتكى كلّه». هذا؛ والسّفك: الصّبّ، والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدّم، قال في المصباح: وسفك الدّم: أراقه، وبابه ضرب، وانظر شرح الدم في الآية رقم [٣٠]. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق، واعترفتم بلزومه. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ على أنفسكم بذلك.
هذا؛ والخطاب للأبناء بما فعل آباؤهم، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ والتقريع إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة أوامر الله، ومخالفة رسله، ومعناه: أنتم تشهدون على أسلافكم بما قبلوا، وأقرّوا به.
هذا؛ و﴿دِيارِكُمْ﴾ جمع: دار، وهي مؤنثة وقد تذكر، وهي منزل الإنسان ومسكنه، أصلها:
«دور» بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، دور، وأدؤر، وأدور،، أدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل: ديار: دوار، وأدور، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلّت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا، والآخرة، ودار الحرب:
بلاد العدو. هذا؛ وقال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدّار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين، وقال جلّ شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أنّ الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشّاعر، وهو مجنون ليلى: «أقبّل ذا الجدار» وهو حائط البيت، وذلك في قوله، وهو الشاهد رقم [٩٠٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
أمرّ على الدّيار ديار ليلى أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الدّيارا
الإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة، وهو مثله في إعرابه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ إعرابها ومحلها مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ..﴾. في الآية السابقة. ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، ومحلّها. ﴿أَقْرَرْتُمْ:﴾
فعل وفاعل، والجملة الفعلية قيل: معطوفة على جملة محذوفة: التقدير: قبلتم، ثمّ أقررتم.
وقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا﴾ فتكون في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو
[ ١ / ٢٣٤ ]