الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو والضمير، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ ومؤكّدة لها.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ هذا خطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ.
وقتل أنفسهم مثل سفك دمائهم في الآية السابقة بلا فارق. ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ أي: يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ:﴾ أي: تتعاونون عليهم بالمعصية، والظلم، والعدوان. وقرئ: («تظّاهرون») بتشديد الظاء، وتخفيفها، وأصلها:
تتظاهرون، فمن قرأ بتشديد الظاء؛ فقد أدغم التاء الثانية في الظّاء، ومن قرأ بتخفيف الظاء، فهو على حذف إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم، وفي اللّغة العربية. هذا؛ والعدوان: تجاوز لحدود الله، والطّغيان. والإثم: الذنب الذي يستحقّ عليه صاحبه الذّمّ. هذا؛ والإثم: اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر: [الوافر]
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ أي: تنقذوهم، وتفكّوهم من الأسر بالمال وغيره. ويقرأ ﴿أُسارى﴾ و«أسرى» مثل: سكارى، وسكرى، ومثل هذه الآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال) وسمّي الأسير أسيرا لشدّه بالإسار، وهو القدّ، أي: الحبل الذي يشدّ به وثاقه، فسمّي كلّ أخيذ أسيرا، وإن لم يشدّ به. هذا؛ والأسر: الخلق، قال تعالى في سورة الدّهر: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ﴾ وأسرة الرجل: رهطه؛ لأنه يتقوّى بهم.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:﴾ الحرام في الأصل: كلّ ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه. وحرمة الرّجل. محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ﴾ أي: بعض التّوراة، وهو أخذ الفداء. ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: ببعض التوراة، وفيها تحريم القتل، والمظاهرة، والإخراج من الديار بالظّلم. ﴿فَما﴾
[ ١ / ٢٣٥ ]
﴿جَزاءُ..﴾. إلخ: فما عقوبة؟. ﴿خِزْيٌ:﴾ ذلّ، وهوان، وقد خزوا في الدنيا بقتل بني قريظة، ونفي بني النّضير إلى الشام، وضرب الجزية عليهم. والإخزاء: هو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهليّ: [البسيط]
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسان بن ثابت -﵁يخاطب به من شجّ وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق
وهو على هذا من الرّباعي من: أخزى، يخزى، وهو من الثلاثي: خزى، يخزي بمعنى استحيا، وخجل، قال نهشل بن حري الدّارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفّين مع الإمام عليّ كرّم الله وجهه: [الطويل]
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال ذو الرّمة: [البسيط]
خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. ﴿يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ أي: في جهنّم يصلونها، وبئس المصير.
تنبيه: قال السّدي-رحمه الله تعالى-: إنّ الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيّما عبد، أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل، فاشتروه، وأعتقوه، وكانت قريظة حلفاء الأوس، وبنو النّضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشّنآن، فكان كلّ فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا؛ خرّبوا ديارهم، وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين؛ جمعوا له مالا، فيفدونه، فعيّرتهم العرب، وقالت لهم: كيف تقاتلونهم، ثم تفدونهم؟! فيقولون أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكنّا نستحيي أن تذل حلفاؤنا، فذمّهم الله على هذه المناقضة، انتهى. جمل بحروفه.
قال القرطبي: قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين، بل بالكافرين، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! انتهى.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أقول: يظهر: أنه يقصد ما حصل في الأندلس من فتن، ومحاربة بعض المسلمين بعضا، واستعانة البعض على البعض الآخرين بالإسبان الإفرنج، وهذا يحصل من المسلمين في كلّ زمان، ومكان، فقد ذكر: أن قيصر عرض على معاوية مساعدته على عليّ﵁-، وقال: والله لو قطّعت إربا إربا لا أستعين بكافر على مسلم.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. أو هو مبني على الضم المقدّر على آخره في محل نصب بيا النداء المحذوفة، وعليه فجملة: ﴿تَقْتُلُونَ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة سواء أكانت فعلية، أم ندائية معترضة بين المبتدأ والخبر، لا محل لها من الإعراب، إلا أنّ هذا لا يجيزه سيبويه؛ لأن (أولاء) مبهم، ولا يحذف حرف النداء مع المبهم. هذا؛ ويعتبر الكوفيون ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم موصول هو الخبر، وجملة: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ صلته، ولم يجزه البصريون؛ لأن ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى «الذين». وهناك وجه ثالث، وهو أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ خبر المبتدأ على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ثمّ أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة:
﴿تَقْتُلُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه. انتهى عكبري بتصرف، هذا؛ وأرى صحة وجه آخر، وهو أن يكون ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، وجملة:
﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنْتُمْ﴾. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول ذي الرّمّة، وهو الشاهد [٤٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
إذا هملت عيني لها قال صاحبي بمثلك-هذا-لوعة وغرام
حيث قال الكوفيون: إن التقدير: يا هذا، ومثله الشاهد رقم [١٠٩٥]. وجملة: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا:﴾ معطوفة على سابقتها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل (﴿تُخْرِجُونَ﴾)، وجملة: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿فَرِيقًا﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور. ﴿بِالْإِثْمِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.
﴿وَالْعُدْوانِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم.
﴿يَأْتُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿أُسارى:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿تُفادُوهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية معترضة بين جملة: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ وجملة: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الواقعتين في محل نصب حال.
[ ١ / ٢٣٧ ]