أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق. و(قليلا) في معنى النفي، وأمّا التقليل مثلها في: (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.
الوجه الثاني: النفي، و(قليلا) نعت لمصدر محذوف، أو الظرف محذوف، أي: إيمانا قليلا، أو زمانا قليلا.
الوجه الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب (قليل)، و(قليلا) حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: لعنهم الله، فأخروا «قليلا إيمانهم» أجازه ابن الحاجب، ورجّح معناه على غيره. انتهى بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول. وذكر الجمل الوجه الأوّل، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: لا يؤمنون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: (قليلا ﴿ما يُؤْمِنُونَ﴾) تعليلية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: اليهود. ﴿كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ هو القرآن؛ الذي أنزل على محمّد ﷺ. ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ:﴾ يعني: التوراة. ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ مجيء الكتاب، ومن قبل مبعث النبي ﷺ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ:﴾ يستنصرون. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: المشركين العرب، وهم الأوس، والخزرج. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا﴾ أي: من الحقّ، وهو بعثة النبي ﷺ ونزول القرآن عليه ﴿كَفَرُوا بِهِ:﴾ أي: بمحمد ﷺ حسدا، وبغيا، وخوفا على الرئاسة وحبّ الدنيا.
﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ المراد: على اليهود، وقد أظهر في موضع الإضمار؛ لينبّه على السبب المقتضي لذلك، وهو الكفر، وأتى ب ﴿عَلَى﴾ تنبيها على أن اللّعنة قد استعلت عليهم، وشملتهم. وفي الآية إطلاق كلمة الكفر على المشركين العرب، وعلى اليهود.
تنبيه: كان اليهود في المدينة المنورة قبل مبعث النبي ﷺ إذا حزبهم أمر، أو دهمهم عدو؛ يقولون: اللهم فرّج كربنا! اللهم انصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزّمان، الذي نجد صفته في التوراة! فكانوا ينصرون، ويفرّج كربهم، ويزول ما بهم من الغمّ، والبؤس، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد، وإرم.
هذا؛ والاستفتاح: الاستنصار، وفي الحديث كان النبي ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي:
يستنصر بدعائهم، وصلاتهم، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٥٢] من سورة (المائدة): ﴿فَعَسَى اللهُ﴾
[ ١ / ٢٤٤ ]
﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. والنصر: فتح شيء مغلق. هذا؛ وروى النّسائيّ عن أبي سعيد الخدري﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم». وروى النسائيّ أيضا عن أبي الدّرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابغوني الضّعيف؛ فإنكم إنّما ترزقون، وتنصرون بضعفائكم».
هذا؛ والسبب في سكنى اليهود المدينة المنورة هو انتظارهم مبعث النبي ﷺ وظهوره، فقد قدم آباؤهم، وأجدادهم من فلسطين قبل مبعث النّبيّ ﷺ بمائتين أو بثلاثمائة سنة إلى المدينة ينتظرون خروجه، وظهوره؛ لأنه منصوص عليه في التوراة: أنه يولد في مكّة، ويهاجر إلى المدينة، فلمّا ظهر؛ كفروا به بغيا، وعدوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فقال لهم معاذ بن جبل﵁-: يا معشر يهود! اتّقوا الله، وأسلموا؛ فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا: أنه مبعوث، وتصفونه بصفته. فقال:
سلام بن مشكم، أخو بني النضير-لعنه الله-: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي نذكر لكم، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَمّا﴾): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿كِتابٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتابٌ﴾ و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها إن كانت نكرة موصوفة، وانظر تعليق اللام في الآية رقم [٤١] فإنه جيد، وجواب (لمّا) محذوف دل عليه جواب الثانية، تقديره: أنكروه، أو نحو ذلك، وقيل: إنّ جوابها ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ وجواب الثانية ومدخولها جواب الأولى، وهذا ضعيف؛ لأن الفاء مع (لما) الثانية، و(لمّا) لا تجاب بالفاء، إلا أن يعتقد زيادة الفاء على ما يجيزه الأخفش. انتهى عكبري. وأقوى الأقوال الأوّل، و(لمّا) ومدخولها معطوف على جملة: (﴿قالُوا﴾) في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.
﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال، (﴿كانُوا﴾): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل كانوا، وهذا على القول بجواز التعليق بالفعل الناقص. ويؤيّده: المعنى هنا، ومن لا يجيزه يعلقهما بالفعل بعدهما. وجملة: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل نصب خبر (كان) وجملة: (﴿كانُوا﴾) في محل نصب حال من الضمير، وهو
[ ١ / ٢٤٥ ]