﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾
الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قال العلماء: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قسم من ربنا، أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده: إنّ هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حقّ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت هذه السورة من وعدي، ولطفي، وبرّي. ولم أره لغيره، وليس فيها معنى القسم، والبسملة مما أنزله الله تعالى في كتابنا خصوصا بعد سليمان، علي نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد تضمّنت جميع الشرع؛ لأنّها تدل على الذّات وعلى الصّفات، لذا فالقول: إن القرآن تضمّن كل ما في الكتب السابقة من أمور الدنيا والآخرة، والفاتحة تضمّنت كل ما في القرآن الكريم، والبسملة تضمّنت كل ما في الفاتحة، وجميع ذلك في الباء من البسملة، وكأنّ الله ﷿ يقول: بي كان، وما يكون، وما سيكون في الدنيا والآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كلامه.
قال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب﵁-، نظر إلى رجل يكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال له: جوّدها، فإن رجلا جوّدها، فغفر له، وقال سعيد أيضا: وبلغني أنّ رجلا نظر إلى قرطاس فيه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقبّله، ووضعه على عينيه، فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنّه لمّا رفع الرقعة التي فيها اسم الله من مكان ممتهن، وطيّبها بمسك بعد أن نظّفها، وأزال عنها الأقذار؛ طيّب الله اسمه؛ أي: رفع ذكره بين الناس، ويحكى: أنه قيل له في المنام: كما طيبت اسمنا لنطيبنّ اسمك.
وروى النّسائيّ عن أبي المليح عن ردف رسول الله ﷺ، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا عثرت بك الدابّة؛ فلا تقل: تعس الشّيطان، فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صنعته، ولكن قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ فإنه يتصاغر حتّى يصير مثل الذّباب».
وروى وكيع بن الأعمش، عن أبي وائل: عن عبد الله بن مسعود﵁قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنّة من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وهم يقولون في كل أفعالهم: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. هذا وكسرت الباء الجارة في البسملة وغيرها، لتكون حركتها مشبهة لعملها، وقيل: كسرت ليفرق بين ما يخفض، ولا يكون إلا حرفا، نحو الباء، واللام الجارة، وبين ما يخفض، وقد يكون اسما، نحو الكاف في قول العجاج: [الرجز]
بيض ثلاث كنعاج جمّ يضحكن عن كالبرد المنهمّ
[ ١ / ١٥ ]
وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب فانظره، وما ألحقته به، فإنه جيد، والحمد لله ربّ العالمين.
هذا وقد ندبنا الرسول ﷺ إلى افتتاح جميع أمورنا بالبسملة تيمّنا، وتبرّكا، كالأكل، والشرب، والنّحر، والجماع، والطّهارة، وركوب الدابة، والسيارة، والطيّارة، وغير ذلك من الأفعال، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عن النبيّ ﷺ، قال: «كلّ أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر» وفي رواية: «فهو أقطع» والمعنى: قليل البركة، أو معدومها، لذا سمّيت الخطبة التي ألقاها زياد ابن أبيه في العراق: البتراء؛ لأنه لم يبدأها بالبسملة.
بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ البسملة آية من سورة الفاتحة، وآية من كلّ سورة ما عدا براءة عند الشّافعي، ولا تعدّ آية في كلّ ذلك عند مالك، وأبي حنيفة، وإنّما هي للفصل بين كلّ سورتين، وأحمد بن حنبل يعدّها آية من أول سورة الفاتحة، وليست آية في غيرها، -﵃أجمعين، واحتجّ الشافعي﵁بما رواه الدّارقطني من حديث أبي بكر عبد الحميد بن جعفر الحنفي عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فاقرءوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إنّها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني». قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسّما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: «نزلت عليّ آنفا سورة». فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ..﴾. إلخ، وذكر الحديث، وذكرته بكماله في سورة الكوثر، والحمد لله.
(اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريّون: أصله: سمو، بضم السين وكسرها، من السّمو، وهو العلوّ، والارتفاع، فاسم الشيء ما علاه؛ حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله، وقال الكوفيون:
أصله: وسم من السّمة، وهي العلامة، فكأنه علامة لمسمّاه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل. وحجّة البصريين: أنه لو كان اشتقاقه من السّمة، لكان تصغيره: وسيم، وجمعه:
أوسام؛ لأن التصغير والتكسير يردّان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره: سميّ، وجمعه: أسماء، وجمع الجمع: أسام، وقد حذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلخ للخفّة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلّة الاستعمال، هذا و(اسم) أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السّكون، فإذا نطقوا بها مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها توصلا للابتداء بالسّاكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام؛ وإن كتبت، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضّرورة، كقول الأحوص: [الطويل]
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمّى، ثمّ يلتزم الاسما
[ ١ / ١٦ ]
انظر مبحثها في كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا، هذا وذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن لفظة: (اسم) صلة، أي: زائدة، واستشهد على ذلك بقول لبيد بن ربيعة الصّحابي﵁انظره تبعا ملحقا للشاهد [٩٧٦] من كتابنا فتح القريب المجيب، ونصّه: [الطويل]
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
واختلفوا في معنى زيادته، فقال قطرب: زيدت؛ لإجلال ذكره تعالى، وتعظيمه.
وقال الأخفش: زيدت؛ ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ اسمان من أسماء الله الحسنى، وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه ﷾ بمعنى: المحسن، أو: مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النّعم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف ب ﴿الرَّحِيمِ﴾ المخلوقون، وأما ﴿الرَّحْمنِ﴾ فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف مسيلمة الكذاب، فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط]
أسموت بالمجد يا بن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
هذا واشتقاق ﴿الرَّحِيمِ﴾ من الرحمة لا خلاف فيه، وفي اشتقاق ﴿الرَّحْمنِ﴾ خلاف، والجمهور من الناس ذهبوا إلى أنه مشتق من الرّحمة أيضا، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة، الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى، ولا يجمع، كما يثنى ﴿الرَّحِيمِ﴾ ويجمع، قال ابن الحصار: ومما يدلّ على الاشتقاق ما خرّجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «قال الله ﷿: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»: أو قال: «بتتّه» وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وما وجب له، وقد قال الله في سورة (الفرقان) رقم [٦٠]: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ..﴾.
إلخ، وقال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٥]: ﴿أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ،﴾ ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى ب «رحمان اليمامة» كساه الله جلباب الكذاب، وشهر به، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر، والمدر.
فائدة: قال سعيد بن جبير﵁-: كان المشركون يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله ﷺ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قالوا: هذا محمّد يذكر «رحمان اليمامة» يعنون:
مسيلمة الكذاب، فأمر أن يخافت ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ونزل: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، فبقي ذلك إلى يومنا
[ ١ / ١٧ ]