فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ، ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، التقدير: واجب، أو مستحقّ لله، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، هذا ويجوز في العربية الرفع والنصب في ﴿رَبِّ﴾ فالرفع على إضمار مبتدأ، التقدير: هو ربّ، والنصب على المدح بفعل محذوف، قال الزمخشري: وقرأ زيد بن عليّ﵄-: «رب العالمين» بالنصب على المدح، أو على النداء.
قاله مكيّ، وهذان الوجهان على القطع، انظر ما ذكرته في الاستعاذة.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾
الشرح: وصف الله تعالى نفسه بعد ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بأنّه ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لأنه لما كان في اتصافه ب ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ترهيب؛ قرنه ب ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لما تضمنه من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمتع، كما قال ﷿ في سورة (الحجر) رقم [٤٩ و٥٠]: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ وقال جل ذكره في أول سورة (غافر): ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ،﴾ وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرّحمة؛ ما قنط من جنّته أحد».
وقد شرحت الاسمين الكريمين في البسملة، فلا معنى لإعادته، هذا؛ وذكرت لك فيما تقدم:
أنّ ﴿الرَّحْمنِ﴾ أبلغ من ﴿الرَّحِيمِ،﴾ وذكر ﴿الرَّحِيمِ﴾ بعده، فهو من ذكر الخاص بعد العام، لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب).
الإعراب: يجوز فيهما ما جاز في البسملة من أوجه الإعراب.
﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾
الشرح: ﴿مالِكِ﴾ قرئ: («ملك») من غير مد، وبكسر الكاف فيهما، وقرأ محمد بن السّميقع بنصب («مالك»)، والمالك: هو المتصرّف في الأعيان المملوكة كيف شاء، من: الملك.
والملك هو المتصرف بالأمر، والنهي في المأمورين، من: الملك. انتهى. بيضاوي.
[ ١ / ٢١ ]
وجمع مالك: ملاّك، وملّك، وجمع ملك: أملاك، وملوك، هذا وفيه لغتان أخريان ملك بسكون اللام، وجمعه على هذا: أملك، وملوك. ومليك فمن الأول قول عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٣٠]: [الوافر]
وأيّام لنا غرّ طوال عصينا الملك فيها أن ندينا
ومن الثاني قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في ملعقته، رقم [٨٤] [الكامل]
فاقنع بما قسم المليك فإنّما قسم الخلائق بيننا علاّمها
هذا وذكر ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بعد ذكر: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هو من ذكر الخاص بعد ذكر العام، وفيه ما فيه من التهويل، ورفعة الشأن، والتنبيه على مكانته، وعلوّ قدره. هذا وقيل:
﴿مالِكِ﴾ أبلغ من («ملك») لأن فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمّن يقرأ: («ملك»).
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة ب («ملك») وفيه من المعنى ما ليس في ﴿مالِكِ﴾ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى ملكا كان ملكا ومالكا بلا ريب. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك؛ لأن المراد من (﴿مالِكِ﴾) الدلالة على الملك بكسر الميم، وهو لا يتضمّن الملك بضم الميم، و(«ملك») يضمن الأمرين جميعا، فهو أولى بالمبالغة، ويتضمّن أيضا الكمال، لذا استحق الملك على من دونه.
﴿يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس -﵄قال: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ هذا و﴿الدِّينِ﴾ أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ و﴿الدِّينِ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى. هذا ويطلق ﴿الدِّينِ﴾ على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
هذا والدّين-بفتح الدال-: القرض المؤجّل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبّد به الله. هذا وتخصيص ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالإضافة له سبحانه، مع أنه مالك لجميع الأشياء في جميع الأوقات، والأيام؛ لأنه في ذلك اليوم ينسلخ عن ملوك الدنيا ما كان لهم من الملك الظاهر، وينفرد الجبّار فيه بالملك، ونفوذ الأمر، كما يقول الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (غافر)، وكما قال الله تعالى في وصف ذلك اليوم في آخر سورة الانفطار: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ،﴾ وانظر شرح «يوم» في الآية رقم [٤٨] من سورة (البقرة).
[ ١ / ٢٢ ]