يطعن الصنم منها بعود كان في يده، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء). ويقرأ: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾.
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن ابن مسعود ﵁. أي: لم يبق للباطل مقالة، ولا رئاسة، ولا كلمة. وزعم قتادة، والسدي: أن المراد بالباطل هنا: إبليس؛ أي: إنه لا يخلق أحدا، ولا يعيده على ذلك. وهذا؛ وإن كان حقا، ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر شرح: ﴿الْباطِلُ﴾ في العنكبوت [٥٢]. وفي البيضاوي تبعا للزمخشري: ﴿الْباطِلُ:﴾ الشرك ذهب بحيث لم يبق له أثر، مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق إبداء ولا إعادة أي: فإنه كناية عن هلاكه، وذهابه، وفي ﴿يُبْدِئُ﴾ و﴿يُعِيدُ﴾ طباق أيضا. ومنه قول عبيد بن الأبرص: [الرجز] أأقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿جاءَ الْحَقُّ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾
الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْباطِلُ﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ما يبدئ الباطل لأهله خيرا. ﴿وَما يُعِيدُ:﴾ مثله في حذف المفعول، والفاعل يعود إلى ﴿الْباطِلُ،﴾ التقدير: وما يعيد لأهله خيرا. وقيل: الفعلان منزلان منزلة اللازم، والجملة الفعلية: ﴿وَما يُبْدِئُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.
هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْحَقُّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الواو فقط.
هذا؛ وقيل: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: وأي شيء يبدئ الباطل؟! وهو غير واضح معنى.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أي: عن الحق. ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي عليها، فإنه بسببها؛ إذ هي الجاهلة بالذات، والأمارة بالسوء.
وذلك: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: تركت دين آبائك، فضللت. وقراءة الجمهور: ﴿ضَلَلْتُ﴾ بفتح اللام، وقرأ يحيى بن وثاب، وغيره بكسر اللام، وفتح الضاد من: «أضلّ». والضلال، والضلالة: ضد الرشاد. وقد ضللت بفتح اللام، أضل بكسرها، وهي قراءة حفص في هذه الآية، فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: «ضللت، أضل» بكسر الضاد
[ ٧ / ٦٢٦ ]
فيهما، وانظر شرح (الضلال) في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان)، و(السجدة) رقم [١٠].
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ أي: إلى الحق، والصواب. ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي:﴾ من القرآن والحكمة، وإن الاهتداء بهدايته، وتوفيقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة).
وكان قياس التقابل أن يقال: وإن اهتدت، فإنما أهتدي لها، كقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) ولكن هما متقابلان معنى؛ لأن النفس كل ما هو وبال عليها، وضار لها، فهو بها، وبسببها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها؛ فبهداية ربها، وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة قدره، وسداد طريقته، كان غيره أولى به. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ:﴾ يسمع قول كل ضال، ومهتد. ﴿قَرِيبٌ:﴾ مني، ومنكم يجازيني بعملي، ويجازيكم بأعمالكم.
هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:
«أنا». ﴿عَلى نَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تحل محل المفرد عند الدسوقي، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. و(إن) الثانية ومدخولها كلام معطوف عليه فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَبِما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (بما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فاهتدائي بما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فبسبب الذي، أو: شيء يوحيه إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية، تؤول مع ما بعدها
[ ٧ / ٦٢٧ ]