على القدرة الباهرة، قيل: (فسقنا) و(أحيينا) معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص، وأدل عليه. انتهى. وانظر شرح (ميت) في الروم رقم [١٩].
الإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.
﴿أَرْسَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: (الله الذي) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَتُثِيرُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (تثير): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرِّياحَ﴾ تقديره: «هي». ﴿سَحابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والعائد في الأولى عائد في هذه بسبب العطف. ﴿فَسُقْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (سقناه):
فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَيِّتٍ:﴾ صفة ﴿بَلَدٍ﴾.
(أحيينا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من الأرض، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (أحيينا) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿النُّشُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ:﴾ الشرف، والمنعة، والمجد، والسيادة. والمعنى: من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها؛ لأن العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة، فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله ﷿. انتهى. قرطبي. ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا:﴾ المعنى: من كان يريد العزة، ويرغب فيها؛ فليتعزز بطاعة الله؛ أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته. وذلك: أن الكفار عبدوا الأصنام، وطلبوا التعزز بها، كما قال جل ذكره: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فمن أراد العزة؛ فليقصد بالعزة الله سبحانه، والاعتزاز به، فإنه من اعتز بغير الله؛ أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. وقال النبي ﷺ: «من أراد عزّ الدّارين فليطع العزيز». ولقد أحسن من قال: [الكامل] وإذا تذلّلت الرّقاب تواضعا منها إليك فعزّها في ذلّها
وانظر الآية رقم [١٥] الآتية، وانظر الآية رقم [١٨٠] من سورة (الصافات) ففيها فضل بيان.
[ ٧ / ٦٤٨ ]
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ:﴾ هذا يتناول الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن. روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود﵁قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى: إن العبد المسلم إذا قال: «سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله» أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله، ﷿، ثم قرأ عبد الله -﵁-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وأنشدوا: [الكامل] لا ترض من رجل حلاوة قوله حتّى يزيّن ما يقول فعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله فتوازنا فإخاء ذاك جمال
﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث الشريف: «لا يقبل الله قولا إلاّ بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنّة». وقال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وفيه قيل: [الخفيف] لا يكون المقال إلاّ بفعل كلّ قول بلا فعال هباء
إنّ قولا بلا فعال جميل ونكاحا بلا وليّ سواء
هذا؛ وصعود الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله تعالى كناية عن قبولهما عنده، أو المراد: صعود الكتبة بصحيفتهما. قال القرطبي: والظاهر: أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب، وقد جاء في الآثار: أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة؛ نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقا لقوله؛ صعدا جميعا، وإن كان عمله مخالفا؛ وقف قوله؛ حتى يتوب من عمله. فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، وهذا قول ابن عباس، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبي العالية، والضحاك﵃ أجمعين-. وعليه فالعمل الصالح هو السبب في رفع الكلم الطيب. هذا؛ وعلى أن الكلم الطيب هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد، أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالضمير المنصوب يعود على: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب. وقيل: الفاعل يعود إلى (الله) أي: إن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب؛ لأن العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر تعبا من القائل. وهذا هو حقيقة الكلام؛ لأن الله هو الرافع، الخافض، والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز.
قال النحاس: القول الأول أولاها، وأصحها؛ لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى؛ لأن القراء على رفع العمل، ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه، أو العمل الصالح
[ ٧ / ٦٤٩ ]
يرفعه الكلم الطيب؛ لكان الاختيار نصب العمل، ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا، إلا شيئا روي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس: «(والعمل الصالح يرفعه الله)». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة، وعلم أنها تطلب من الله تعالى. ذكره القشيري. انتهى.
قرطبي بتصرف.
أقول: مضمون القول الأول والثاني هو ما ذكرته من الاحتراس كثيرا؛ لأن الإيمان، والعمل الصالح قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه. والله الموفق والمعين.
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وشهر بن حوشب الأشعري، ومجاهد، وقتادة﵃ أجمعين-: هم المراءون بأعمالهم؛ أي: يمكرون بالناس، يوهمون:
أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ﷿، يراءون بأعمالهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾. وقال أبو العالية، وابن أسلم: هم المشركون الذين مكروا بالنبي ﷺ لما اجتمعوا في دار الندوة. والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي: يفسد، ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر، والنهى، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، فالمرائي لا يروج أمره، ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون، فلا يروج ذلك عليهم؛ بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ وقصر الزمخشري القول على أن المراد بالذين يمكرون السيئات هم مشركون قريش؛ ولذا قال: ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة، وقتلهم، وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعا، وحقق فيهم قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ،﴾ وقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. انتهى. وانظر المكر في الآية رقم [٣٣] من سورة (سبأ).
هذا؛ ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ:﴾ يهلك، ويضيع، ويفسد، ويبطل. وقوله تعالى: ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى، قال ابن عباس﵄-: مأخوذ من البوار، وهو الهلاك. وقال بعضهم: الواحد: بائر، والجمع: بور، كما يقال: عائذ، وعوذ. وقيل: بورا: عميا عن الحق.
وفي المصباح: بار الشيء، يبور، بورا بالضم: هلك، وبار الشيء، بورا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك؛ صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه. ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه.
وفي الأساس: «وفلان له نوره، وعليك بوره» أي: هلاكه. ونزلت بوار على الكفار، أي: هلاك.
ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت. وسوق بائرة: لا رواج فيها. وبارت الأيّم: إذا لم يرغب فيها أحد. وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيّم، وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض
[ ٧ / ٦٥٠ ]
بوار، وأرضون بوار. ودار البوار: جهنم، قال تعالى في حق زعماء الكفار: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف تقديره: من كان يريد العزة؛ فليطلبها من الله بطاعته، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط.
وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿الْعِزَّةَ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من: ﴿الْعِزَّةَ﴾ وجاز ذلك؛ لأن العزة أنواع كثيرة.
والجملة الاسمية تعليل للأمر المقدر جوابا للشرط، كما رأيت. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والتقدير أفاد الاختصاص. ﴿يَصْعَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكَلِمُ:﴾ فاعله.
﴿الطَّيِّبُ:﴾ صفة ﴿الْكَلِمُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والاستئناف أقوى. ﴿وَالْعَمَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (العمل): مبتدأ.
﴿الصُّلْحُ:﴾ صفة له. ﴿يَرْفَعُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ،﴾ أو هو يعود إلى: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾، أو لله تعالى، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به على اعتباره متعديا بمعنى: يعملون، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يمكرون المكرات السيئات. وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى: يسيئون السيئات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عَذابٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور؛ أي:
بمتعلقهما، وعلى كل فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَكْرُ:﴾ الواو: حرف عطف.
(مكر): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو هو مبتدأ، وجملة: ﴿يَبُورُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى اعتبار الضمير فصلا؛ فجملة ﴿يَبُورُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
[ ٧ / ٦٥١ ]