﴿أُولِي:﴾ صفة رسلا، وقال أبو البقاء: بدل من (رسل) أو نعت له، منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَثْنى:﴾ صفة ل: ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، والعدل. ﴿وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ معطوفان على ﴿مَثْنى﴾ مجروران مثله. وقيل: ﴿مَثْنى﴾ بدل من ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ والأول أقوى. ﴿يَزِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول الأول محذوف اقتصارا، أغنى عنه الجار والمجرور: ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ فهما متعلقان به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للزيادة، لا محل لها.
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾
الشرح: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أي: أي شيء يمنحه الله لعباده، ويتفضل به عليهم من خزائن رحمته: من نعمة، وصحة، وأمن، وعلم، وحكمة، ورزق، وإرسال رسل لهداية الخلق، وغير ذلك من صنوف نعمائه، التي لا يحيط بها عدد، فلا يقدر أحد على إمساكه، ومنعه، وحرمان خلق الله منه، فهو المعطي الوهاب، الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: وأيّ شيء يمنعه، ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخرة فلا يقدر أحد على منحه للعباد بعد أن منعه الله تعالى، وهذه الآية مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الأنعام): ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومثلها كثير.
فعن المغيرة بن شعبة﵁-: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة:
«لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». أخرجه البخاري، ومسلم. والجدّ: الغنى، والحظ، وحسن البخت، وهو بفتح الجيم؛ أي: لا ينفع المبخوت، والغني حظه، وغناه؛ لأنهما من الله تعالى، إنما ينفعه الإخلاص، والعمل بطاعته تعالى. وعن
[ ٧ / ٦٣٧ ]
أبي سعيد الخدري﵁قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول:
«سمع الله لمن حمده، اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلّنا لك عبد، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ الغالب على كل شيء. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه الذي يمسك، ويرسل، ويعطي، ويمنع حسب ما تقتضيه الحكمة إرسالا، وإمساكا. وخذ ما يلي: فعن معاذ بن جبل -﵁يرفعه إلى النبي ﷺ: «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، ويعظّم برّهم فاجرهم، وتعن قرّاؤهم أمراءهم على معصية الله، فإذا فعلوا ذلك؛ نزع الله يده عنهم».
وأخيرا في قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ استعارة تمثيلية شبه فيها إرسال النعم بفتح الخزائن للإعطاء، وكذلك حبس النعم بالإمساك، واستعير الفتح للإطلاق، والإمساك للمنع، وأيضا الطباق، والمقابلة بين ﴿يَفْتَحِ﴾ و: ﴿يُمْسِكْ﴾ وهو من المحسنات البديعية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه. ﴿يَفْتَحِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية بمفردها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُمْسِكَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويجوز في غير القرآن رفع الفعل: «يفتح»، واعتبار: «ما» موصولة مبتدأ، والجملة الفعلية صلتها، وجملة: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ في محل رفع خبرها، وقد مر معنا كثير من هذا.
وجملة: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو:
واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط:
الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
[ ٧ / ٦٣٨ ]