جواب الشرط محذوفا؛ فالجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ويكون التقدير: وإن يكذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنه قد كذب إلخ.
﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، وهي على إضمار: «قد» قبلها. ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ:﴾ معطوفان على: ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب)، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ عاقبتهم عقابا شديدا، كما قال تعالى في سورة (القمر):
﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب؛ أي: فانظر كيف كان عقابي لهؤلاء المكذبين، وكذلك أفعل بكفار قريش، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان؟! هذا؛ وقد قرئ: «(نكيري)» بإثبات الياء أيضا، ومثلها الآية رقم [٤٥] من سورة (سبأ). والآية رقم [٤٤] من سورة (الحج)، وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الروم)، وشرح الكفر في الآية رقم [٣٤] منها أيضا.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة:
﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أَخَذْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم) ففيها الكفاية. ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها:﴾ أجناسها، أو أصنافها على أن كلاّ منها ذو أصناف
[ ٧ / ٦٧٠ ]
مختلفة هيئاتها من الصفرة، والحمرة، والخضرة، ونحوها، والأجناس مثل: الرمان، والتفاح، والتين، والعنب، والرطب، ونحو ذلك، هذا بالإضافة إلى الطعوم المختلفة أيضا، والروائح المتنوعة، كما قال تعالى في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد): ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان) تجد ما يسرك.
﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي: وخلق الله الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضا من بيض، وحمر، وفي بعضها طرائق، وهي الجدد، جمع:
جدّة مختلفة الألوان أيضا، قال ابن عباس﵄-: الجدد: الطرائق. انتهى. هذا؛ وهو بضم الجيم وفتح الدال الأولى. وقال الأخفش: ولو كان جمع: جديد؛ لقال: جدد (بضم الجيم، والدال) نحو سرير وسرر، قال زهير بن أبي سلمى المزني: [البسيط] كأنّه أسفع الخدّين ذو جدد طاو ويرتع بعد الصّيف عريانا
وقرأ الزهري: «(جدد)» بضمتين على أنه جمع: جديدة، وهي الجدة. يقال: جديدة، وجدد، وجدائد. ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ:﴾ قال أبو عبيدة: الغربيب: الشديد السواد، ففي الكلام تقديم، وتأخير. والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد؛ الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إنّ الله يبغض الشيخ الغربيب». أي: الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس: [البسيط] العين طامحة واليد سابحة والرّجل لافحة والوجه غربيب
وقال آخر يصف كرما: [البسيط] ومن تعاجيب خلق الله غاطية يعصر منه ملاحيّ وغربيب
الغاطية: الشجرة التي طالت أغصانها، وانبسطت على وجه الأرض. ملاحي:
أبيض. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقال الصابوني: يقول شهيد الإسلام في تفسيره «الظلال»: هذه لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، تبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، ثم تنتقل إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار، وتنوعها، وتعددها. واللفتة إلى ألوان الصخور وتنوعها داخل اللون الواحد تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي بما يستحق النظر، والالتفات، ثم ألوان الناس، وهي لا تقف عند حد، وكذلك ألوان الدواب، والأنعام. والدابة: كل حيوان.
والأنعام: هي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، ذات الألوان والأصباغ العجيبة، كلها معروضة للأنظار في هذا الكتاب الكوني، الجميل الصفحات، العجيب في التكوين، والتلوين. انتهى.
[ ٧ / ٦٧١ ]