الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو». ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخرجنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَراتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مُخْتَلِفًا:﴾ صفة ﴿ثَمَراتٍ﴾ وهو نعت سببي، يراعى في تذكيره، وتأنيثه ما بعده، وهو: ﴿أَلْوانُها﴾ الواقع فاعلا له، وإنما كان سببيا؛ لأن الاختلاف في المعنى إنما هو لألوانها، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (من الجبال): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿جُدَدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿بِيضٌ:﴾ صفة جدد. (حمر): معطوف على ﴿بِيضٌ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ صفة ثانية لجدد، وفيها معنى التأكيد ل: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾. ﴿أَلْوانُها:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾. و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَغَرابِيبُ:﴾ معطوف على ﴿جُدَدٌ﴾. ﴿سُودٌ:﴾ صفة له، وانظر الشرح، وما قيل فيه:
إنه من عكس الصفة. وقيل: هو بدل من: (غرابيب)، واعتبره الزمخشري معطوفا على ﴿بِيضٌ﴾ أو ﴿جُدَدٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ..﴾. إلخ: أي: وخلق الناس، والدواب، والأنعام مختلفة ألوانها مثل اختلاف ألوان الثمرات، والجبال، كما هو مشاهد، فإنك ترى في الجميع الأبيض، والأحمر، والأسود، والأسمر إلخ، قال تعالى في سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ هذا؛ و(الدواب) جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنفال)، والمراد هنا ما لا يعقل خاصة. والمراد بالأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. فهو من ذكر الخاص بعد العام، وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (سبأ).
[ ٧ / ٦٧٢ ]
﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي: إنما يخافه تعالى العلماء؛ لأنهم عرفوه حق معرفته؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعلي القدير أتم، والعلم به أكمل؛ كان الخوف منه أعظم، وأكثر؛ إذ من دواعي الخوف منه تعالى معرفته، والعلم بصفاته، وأفعاله، فمن كان أعلم به؛ كان أشد خوفا منه، ولذلك قال ﷺ: «أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له». ولهذا أتبعه ذكر أفعاله، الدالة على كمال قدرته.
وعن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ قال: هم الذين يعلمون: أن الله على كل شيء قدير. وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن: أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله. انتهى. وقال سعيد بن جبير﵁-: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿. وقال الحسن البصري﵀-: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط لله فيه، ثم تلا الآية الكريمة. وعن ابن مسعود -﵁أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال مالك-رحمه الله تعالى-: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب.
هذا؛ وقرئ برفع «(الله)» ونصب: «(العلماء)». قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ برفع «(الله)» ونصب «(العلماء)» وهو عمر بن عبد العزيز، ويحكى عن أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى؟ قلت: الخشية في هذه الآية استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. انتهى. أقول: ومن هذه الزاوية قول نصيب بن رباح، وهو الشاهد رقم [٢١٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] أهابك إجلالا وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها
هذا؛ والآيات التي تثني على الخائفين من الله، والتي تعدهم بحسن المثوبة، وعظيم الجزاء، ورفيع الدرجات كثيرة، كيف وقد جعل الله هذا الخوف صفة من الصفات الثمانية، التي وصف الله بها أولي الألباب في سورة (الرعد)، وذلك في الآية رقم [٢٠] وما بعدها، والرسول ﷺ رغب في ذلك أيضا، وأثنى على الخائفين، وبشرهم برضا رب العالمين، والنعيم المقيم في جنات النعيم، فعن العباس بن عبد المطلب﵁قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله، تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها».
رواه البيهقي، وغيره. وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه جل وعلا: أنه قال: «وعزّتي! لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين؛ إذا خافني في الدّنيا؛ أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته في الآخرة». رواه ابن حبان. وحديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظله مشهور.
[ ٧ / ٦٧٣ ]