﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤] من سورة (سبأ). ﴿جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿نَذِيرٌ﴾ تقديره: «هو»، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه سبب في ذلك، وإذا قلنا: الفاعل محذوف، يدل عليه المقام، التقدير: ما زادهم مجيئه، فهو كلام لا غبار عليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُورًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، وفيه دليل على أن (لمّا) حرف، لا ظرف؛ لأنه لا يعمل ما بعد «ما» النافية فيما قبلها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾
الشرح: ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، ونفروا من النبي ﷺ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وبسبب عتوهم، وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السّيّئ بالرسول ﷺ وبالمؤمنين؛ ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله، والمكر: الاحتيال، والخديعة.
﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: ومكروا مكر العمل السّيّئ، أي القبيح، وانظر الآية رقم [١٠]
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا ينزل، ولا يحيط وبال المكر السّيّئ إلا بمن مكره، ودبّره، وعن ابن عباس﵄-: أن كعب الأحبار قال له: إني أجد في التوراة: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها». فقال ابن عباس﵄-: فإني أوجدك في القرآن ذلك! قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا وقع فيه منكبّا». وقال أبو بكر الصديق﵁-: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، فالله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. والبغي، فالله يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. والنكث، فالله يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال النبي ﷺ: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا. ولا تبغ، ولا تعن باغيا. ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال الشاعر الحكيم: [السريع&
يا أيها الظالم في فعليه والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتّى متى تحصى المصائب وتنسى النّعم
وفي الحديث الشريف: «المكر، والخديعة في النار». أي: تدخل أصحابها في النار يوم القيامة؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال النبي ﷺ في
[ ٧ / ٦٩٥ ]
سياق هذا الحديث: «وليس من أخلاق المؤمن المكر، والخديعة، والخيانة». وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا سنة الله، وعادته في الأمم المتقدمة؟ وهي إهلاكهم، وتعذيبهم بسبب تكذيبهم للرسل.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ أي: فلن تتغير، ولن تتبدل سنته في خلقه، ولا يستطيع أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره، وقال تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب): ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة (الإسراء): ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾. فأنت ترى: أن الله تعالى أضاف السنة تارة إلى نفسه، وتارة أضافها إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين، وهو كالأجل تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (العنكبوت): ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ،﴾ وقال في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، وغيرها: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾.
الإعراب: ﴿اِسْتِكْبارًا:﴾ يجوز فيه أن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون بدلا من: ﴿نُفُورًا،﴾ وأن يكون حالا، أي: حال كونهم مستكبرين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَكْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو معطوف على ﴿نُفُورًا﴾ أجازهما السمين، والزمخشري. و(مكر): مضاف، و﴿السَّيِّئِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ إذ الأصل: والمكر السيئ. ﴿وَلا:﴾
والواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَحِيقُ:﴾ مضارع. ﴿الْمَكْرُ:﴾ فاعله. ﴿السَّيِّئِ:﴾ صفة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف؛ إذ لا وجه له.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء إلخ.
والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله هنا بخلاف قوله: ﴿لِسُنَّتِ اللهِ﴾ فإن الإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله، وعليه: فهي تضاف أحيانا للفاعل، وأحيانا للمفعول. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن):
حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت». ﴿لِسُنَّتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو هما في محل نصب حال منه، كان صفة له إلخ، أو هما مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
[ ٧ / ٦٩٦ ]