﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾
اسمها. ﴿لِيُعْجِزَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: وما كان الله مريدا لإعجازه عن شيء. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى الله. ﴿عَلِيمًا قَدِيرًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل للتقرير المذكور في أول الآية.
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا:﴾ من المعاصي، والسيئات، واقتراف المحرمات، والمنكرات، وفي سورة (النحل) آية رقم [٦١] ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بدل: ﴿بِما كَسَبُوا﴾.
﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: على ظهر الأرض، والمراد: من دابة كافرة. وقيل:
المعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق على وجه الأرض أحد، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٨]: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ..﴾. إلخ وفي الكلام استعارة حيث شبه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر بطريق الاستعارة المكنية، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية إلخ. ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يمهلهم كرما، وفضلا، وحلما. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو وقت انتهاء آجالهم. وانقضاء أعمارهم. ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: وقت انتهاء آجالهم. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ أي: كان، ولم يزل كائنا خبيرا بأعمال عباده، بصيرا بجميع حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه خافية من جميع أحوالهم، بصيرا بمن يستحق العقوبة، والعذاب، ومن يستحق الأجر، والثواب.
هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ومثله في سورة (النحل) رقم [٦١] وغيرها كثير، وقال تعالى في هذه السورة رقم [١٣]: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وغيرها أيضا كثير، فإن قلت: أهو من
[ ٧ / ٦٩٨ ]
تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين -أعني: الانتهاء، والاختصاص-كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى، معناه: يبلغه، وينتهي إليه. وقولك: يجري لأجل مسمى، تريد: لإدراك أجل مسمى، وتجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى: أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا الموضعين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.
تنبيه: في الآية الكريمة بيان: أن الله لو عاجل المذنبين بالعقاب؛ لأهلكهم، وأهلك الناس معهم. قال عبد الله بن مسعود﵁ وقرأ هذه الآية-: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق؛ حتى الجعلان في جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو، والفضل، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الشورى)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ فإن قيل: كيف يعم بالهلاك الناس جميعا مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاما، وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نيّاتهم». قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٥]: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً،﴾ وقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٦] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآية في محالها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿يُؤاخِذُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
بالذي، أو: بشيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. (ما): نافية. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَلى ظَهْرِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: (دابة) كان صفة له، فلما قدم عليها؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا قدم عليها؛ صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
[ ٧ / ٦٩٩ ]
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها، وجواب: (إذا) محذوف، التقدير: لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الدليل عليه التصريح به في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]، وفي سورة (يونس) رقم [٤٩]، وفي سورة (النّحل) رقم [٦١]. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء:
حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، وهو يدل على الاستمرار، واسمه يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (فاطر) بحمد الله وتوفيقه، إعرابا وتفسيرا.
والحمد لله رب العالمين
[ ٧ / ٧٠٠ ]