﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي: فما عليك يا محمد إلا الإنذار، وأما الإسماع فلا إليك، ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم، وفي الآية قصر موصوف على صفة. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ:﴾ محقين، أو محقا، أو: إرسالا مصحوبا بالحق. ﴿بَشِيرًا:﴾ بالجنة، والثواب الحسن لمن آمن. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ بالنار، والعقاب لمن كفر، وعاند، وخرج عن طاعة ربه، وما بينهما مطابقة، ومقابلة، وهي من المحسنات البديعية. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ:﴾ جماعة من الناس في العصور، والأزمنة الخالية. ﴿إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أي: جاءها رسول، فأنذرها عقاب الله، وغضبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (النحل)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الرعد). قال ابن جريج: إلا العرب، فإنه لم يبعث فيهم رسولا. انتهى. وقد صح: أن الله بعث فيهم خالد بن صفوان، ونبيا آخر اسمه: حنظلة.
هذا؛ و﴿أُمَّةٍ﴾ بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾. والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟
وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ بيان، وتفسير لهذه الجملة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، بقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، انظر الشرح. ﴿بَشِيرًا:﴾ حال من الكاف. ﴿وَنَذِيرًا:﴾
معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.
[ ٧ / ٦٦٨ ]