الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿تُنْذِرُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّبَعَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾ معطوفة عليها. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ..﴾. إلخ تعليل لتسوية الإنذار وعدمه للكافرين. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا ﴿فَبَشِّرْهُ﴾. (بشره): فعل أمر، والفاعل تقديره:
«أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿بِمَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿وَأَجْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة له.
﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾
الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى:﴾ يوم القيامة للحشر والنشر والحساب والجزاء، أو المراد:
نحيي القلوب الميتة بالإيمان، على حد قوله تعالى في الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام): ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ..﴾. إلخ. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أي: من الأعمال، خيرها، وشرها، صالحها، وسيئها، فآثار المرء التي تبقى، وتذكر بعد الإنسان من خير، أو شر يجازى عليها: من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو وقف وقفوه، أو بناء بنوه، من مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة يعبر الناس فوقها، مما تركوه من بعدهم مما تقدم يجري لهم ثوابه وأجره بعد موتهم. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده». أخرجه مسلم، أما السّيّئ الذي يسجل عليه وزره بعد موته: كوظيفة وظفها بعض الفاسدين المفسدين على المسلمين، أو بناء بناه تجري فيه المفاسد، مثل المقاصف، التي تقع المعاصي فيها من قمار، وشرب الخمور، والكازينات المعدة للرقص، والمخزيات، وما يبنى على شواطئ البحار، والأنهار للدعارة، والخلاعة، وكل ما يغضب الواحد القهار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقيل: إن المراد ب: (آثارهم) خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك؛ لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في جماعة تضعّف على
[ ٧ / ٧١٠ ]
صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنّه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلاّه ما لم يحدث إلخ». رواه البخاري. وعن ابن عمر﵄أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة». رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وهذا هو المفتى به، والمشهور عند المسلمين، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله﵄قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: «إنّه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: «يا بني سلمة! دياركم تكتاب آثاركم! دياركم تكتاب آثاركم!». أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد. والمعنى: الزموا دياركم. والفعل المضارع مجزوم بهذا المقدر.
وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم، وقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. رواه الحافظ البزار. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: لو كان الله -﷿مغفلا شيئا من شأنك يا بن آدم؛ أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره، وعمله كله؛ حتى أحصى هذا الأثر، فيما هو من طاعة الله تعالى، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى؛ فليفعل. انتهى. من القرطبي ومختصر ابن كثير وغيرهما. هذا؛ والأثر: الأجل، وخذ ما يلي:
فعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسّأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم. قال في الفتح: وسمي الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر. قال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] والمرء ما عاش ممدود له أمل لا ينقضي العمر حتّى ينتهي الأثر
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي: حفظنا كل شيء، وعددناه، وأثبتناه في اللوح المحفوظ، فهو مسطور، ومضبوط، لا يطرأ محو، ولا تغيير، ولا تبديل عليه، والإمام: الكتاب الذي يسجل فيه عمل الإنسان، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء)، أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير، أو شر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ..﴾. إلخ. الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف)، ويقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء).
[ ٧ / ٧١١ ]