إذا شهر الصّيام إليك وافى فكل ما شئت ليلا أو نهارا
كما ألغز بعضهم بقصب السكر، فقال: [الطويل] مهفهفة الأعطاف عذب مذاقها تفوق القنا لكن بغير سنان
ويأخذ كلّ الناس منها منافعا وتؤكل بعد العصر في رمضان
هذا؛ ويطلق على الليل والنهار اسم الجديدين، قالت الخنساء ﵂: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد النّاس
أما (آية) فإنها تطلق على معان كثيرة: الدلالة: كما في هذه الآية ونحوها. وتطلق على المعجزة: مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهو كثير.
الإعراب: (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية).
﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٣]. ﴿نَسْلَخُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿النَّهارَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للتعريف، والعامل في الحال: (آية) لما فيها من معنى للدلالة، أو في محل رفع صفة: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للجنس، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا،﴾ حيث إن جملة ﴿يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ تصلح لأن تكون حالا من الحمار، وأن تكون نعتا له. ومثل الآيتين قول رجل من بني سلول، وهو الشاهد رقم (١٥٢) من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني فمضيت ثمّت قلت: لا يعنيني
فجملة: «يسبني» تصلح لأن تكون نعتا للئيم، وأن تكون حالا منه. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ:﴾
إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩].
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي: وآية أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في فلك لا تتجاوزه، ولا تتخطاه لزمن تستقر فيه، ولوقت تنتهي إليه، وهو يوم القيامة حيث ينقطع جريانها عند خراب العالم. وقال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قولان:
[ ٧ / ٧٣٧ ]
أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث. روي البخاري عن أبي ذرّ﵁قال: كنت مع النبي ﷺ، في المسجد عند غروب الشمس، فقال ﷺ: «يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟». قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّها تذهب حتّى تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها. ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن، فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها». فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها..﴾. إلخ.
والقول الثاني: أن المراد ب: «مستقرها» هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكوّر، وينتهي العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي لوقتها، ولأجل لا تعدوه. هذا؛ وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵃: «(لا مستقرّ لها)» أي: لا قرار لها، ولا سكون؛ بل هي سائرة ليلا نهارا، لا تفتر، ولا تقف، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم)، أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى.
﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: ذلك الجري، وذلك الدوران بانتظام، وبحساب دقيق هو تقدير القوي القادر الغالب على أمره، العليم بكل شيء صغيرا كان، أو كبيرا، سرا كان، أو جهرا.
هذا؛ وجاء في الظلال للشهيد ما يلي: والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها، الذي تدور فيه، ولكن عرف أخيرا: أنها غير مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني، الهائل بسرعة، حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية، والله ربها الخبير بها، وبجريانها يقول: إنها ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ هذا المستقر الذي تنتهي إليه، لا يعلمه إلا هو ﷾، وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، ندرك طرفا من هذه القدرة، التي تصرّف هذا الوجود عن قوة، وعن علم. وصدق الله إذ يقول:
﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.
هذا؛ وجاء في الكشاف ما يلي: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها:﴾ لحد لها مؤقت مقدر، تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق، والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا، ومغربا مغربا، حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع، فذلك حدها، ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه. أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا، وهو المغرب. وقيل: مستقرها: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه، وهو آخر السنة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
[ ٧ / ٧٣٨ ]