يقول الله تعالى: يا حملة القرآن استجيبوا لربّكم بتوقير كتابه، يزدكم حبّا، ويحبّبكم إلى عباده، يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة، ومن استمع آية من كتاب الله، كان له أفضل ممّا تحت العرش إلى النّجوم، وإنّ في كتاب الله لسورة، تدعى العزيزة، ويدعى صاحبها الشريف يوم القيامة، تشفع لصاحبها في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يس». انتهى. قرطبي، والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿يس (١)﴾
فيه قراءات كثيرة، كما في لفظ (طه) وقد اختلف في معناه، فقيل: معناه: يا رجل! وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: أن معناه يا إنسان. وقالوا في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ رقم [١٣٠] من سورة (الصافات) أي: على آل محمد. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو اسم من أسماء محمد ﷺ، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال السيد الحميري: [البسيط] يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودّة إلاّ آل ياسين
وقال أبو بكر الوراق: معناه: يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله، قاله مالك.
هذا؛ وذكر الماوردي عن علي﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد وطه وياسين والمزمّل والمدّثر وعبد الله». قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق: أن المعنى: يا سيد! مخاطبا لنبيه ﷺ. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿يس:﴾ فيه، أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هذه (يس). الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل (يس). الثالث: أنه مقسم به، وحرف القسم محذوف، التقدير: أقسم ب: (يس).
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ:﴾ قسم أقسم الله بالقرآن: أن محمدا ﷺ مرسل من عنده، وهو رد على كفار قريش؛ حيث قالوا: لست مرسلا. ومعنى الحكيم: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، كما قال تعالى في أول سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة،
[ ٧ / ٧٠٢ ]
وألف سلام. ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ..﴾. إلخ رقم [١] ويقال فيه: ذو الحكمة، يقال: قصيدة حكيمة، أي ذات حكمة، وانظر الكلام على ﴿الْحِكْمَةَ﴾ في سورة (لقمان) رقم [١٢]. وحكم الرجل يحكم؛ أي: صار حكيما، ومنه قول النابغة الذبياني يخاطب النعمان بن المنذر في معلقته رقم [٢٧]: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثّمد
وأحكمته التجارب: جعلته حكيما. قال الشاعر: [الكامل] وقصيدة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها؟
والخطاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ للنبي ﷺ. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على منهج قويم، وشرع مستقيم، كقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ﴾ أي: الطريق الذي أمر الله بالسير عليه، ولا تنس ما في الآية الكريمة من التأكيد بأكثر من مؤكد؛ لأن المرسل إليهم منكرون، فقد أكد ب: «إن» واللام، ويسمى هذا النوع في علم المعاني: إنكارا.
قال الزمخشري: فإن قلت: أي حاجة إليه، وقد علم: أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟! قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه، ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ،﴾ الثابتين على طريق ثابت. هذا؛ والصراط: الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة الفاتحة، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول أكثر.
هذا؛ وأصل مستقيم (مستقوم)؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: مستقيم.
الإعراب: ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن.
﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفة له. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المرسلين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إنّ). ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان ب: ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة (صراط). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾.
إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب.
[ ٧ / ٧٠٣ ]