قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا" «٣». وقال تعالى:" فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" «٤». روى مسلم عن أبي هريرة
_________________
(١) . آية ٤ سورة المزمل.
(٢) . الزيادة عن سنن الترمذي وأبي داود.
(٣) . آية ٣٦ سورة النساء.
(٤) . آية ١١٠ سورة الكهف.
[ ١ / ١٧ ]
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العلم ليقال علام وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأعطاه من أنصاف الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النار". يقال التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ:" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَبُو هُرَيْرَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ: كُنِّيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِأَنِّي حَمَلْتُ هِرَّةً فِي كُمِّي، فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ:" مَا هَذِهِ"؟ قُلْتُ: هِرَّةٌ، فَقَالَ:" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ بِعَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" مَنْ طَلَبِ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رَقَائِقِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ وَحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﵎ ثُمَّ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَإِذَا قَرَءُوهُ قَالُوا مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا" ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:" هَلْ تَرَوْنَ فِي أُولَئِكُمْ مِنْ خَيْرٍ" قَالُوا: لَا. قَالَ:" أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى به وجه لله لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". يَعْنِي رِيحَهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
[ ١ / ١٨ ]
حَسَنٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ:" وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يدخله؟ قال:" القراء المراءون بأعملهم" قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي كِتَابِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا إِنَّ جهنم لتتعوذ من ذَلِكَ الْوَادِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْوَادِي لَجُبًّا إِنَّ جَهَنَّمَ وَذَلِكَ الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب وإن فط الْجُبِّ لَحَيَّةً وَإِنَّ جَهَنَّمَ وَالْوَادِيَ وَالْجُبَّ لَيَتَعَوَّذُونَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ تِلْكَ الْحَيَّةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْأَشْقِيَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يَعْصُونَ اللَّهَ". فَيَجِبُ عَلَى حَامِلِ الْقُرْآنِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَيُخْلِصَ العمل لله، فإن كان تقدم له شي مما يكره فليبادر التوبة التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب. عمله. فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ لَهُ من الأجر ما ليس لغيره. وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" أنزل اله فِي بَعْضِ الْكُتُبِ- أَوْ أَوْحَى- إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِلَّذِينِ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخر يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ «١» الْكِبَاشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ لِأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ". وَخَرَّجَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" لَا تُخَادِعِ الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخَادِعُ
اللَّهَ؟ قَالَ:" تَعْمَلُ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَتَطْلُبُ بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ الشِّرْكُ وَإِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ القيامة على رءوس الْأَشْهَادِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا يَا كَافِرُ يَا خَاسِرُ يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ ضَلَّ عملك وبطل
_________________
(١) . المسوك (جمع مسك، بفتح ثم سكون): الجلد.
[ ١ / ١٩ ]
أَجْرُكَ فَلَا خَلَاقَ لَكَ الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ. وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كيف أنتم! لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ الْكَبِيرُ، وَتُتَّخَذُ سُنَّةً مُبْتَدَعَةً يَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غير منها شي قيل: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ. قِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم. قل فقهائكم، وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقُلْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ وَمَا ينبغي لأحبهم الله، ولكن ي لبوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمُ اللَّهُ، وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" فَكُبْكِبُوا «١» فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ" قَالَ: قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَخَالَفُوهُ إلى غيره .. سيأتي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ إن شاء الله تعالى.