لا خلاف بين الأمة ولأبين الْأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، مَقْرُوءٌ بِالْأَلْسِنَةِ، مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَعْلُومَةٌ عَلَى الِاضْطِرَارِ سوره وآياته، مبرأة من الزيادة عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانًا مِنْهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْإِجْمَاعَ، وَبَهَتَ النَّاسَ، وَرَدَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَرَدَّ قَوْلُهُ تَعَالَى:" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «١» " وأبطل آية رسوله
_________________
(١) . راجع ج ١٠ ص ٣٢٦.
[ ١ / ٨٠ ]
﵇، لأنه إذ ذاك يصير مقدورا عليه ٧ حين شيب الباطل، وَلَمَّا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَا آية، وخرج عن أن كون مُعْجِزًا. فَالْقَائِلُ: بِأَنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ رَادٌّ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكَانَ كَمَنْ قَالَ: الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسُونَ صَلَاةً، وتزويج تِسْعٍ مِنَ النِّسَاءِ حَلَالٌ، وَفَرَضَ اللَّهُ أَيَّامًا مع ظهر رَمَضَانَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِي الدِّينِ، فَإِذَا رُدَّ هَذَا بِالْإِجْمَاعِ، كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقُرْآنِ أَثْبَتَ وَآكَدَ وَأَلْزَمَ وَأَوْجَبَ. قال الإمام أبو بكر محمد بن إلقام بْنِ بَشَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعَقْلِ يَعْرِفُونَ مِنْ شَرَفِ الْقُرْآنِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ، مَا يُوجِبُهُ الْحَقُّ وَالْإِنْصَافُ وَالدِّيَانَةُ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ قَوْلَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَمْوِيهَ الْمُلْحِدِينَ وَتَحْرِيفَ الزَّائِغِينِ، حَتَّى نَبَعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا زَائِغٌ زاغ عن الملة وهجم على الأئمة بِمَا يُحَاوِلُ بِهِ إِبْطَالَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسها، وينمي فروعها، وَيَحْرُسُهَا مِنْ مَعَايِبِ أُولِي الْجَنَفِ وَالْجَوْرِ، وَمَكَايِدِ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ وَالْكُفْرِ. فَزَعَمَ أَنَّ الْمُصْحَفَ الَّذِي جمعة عثمان رضى اله عَنْهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَصْوِيبِهِ فِيمَا فَعَلَ لَا يشتمل على جمع الْقُرْآنِ، إِذْ كَانَ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ خَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، قَدْ قَرَأْتُ بِبَعْضِهَا وَسَأَقْرَأُ بِبَقِيَّتِهَا، فَمِنْهَا:" وَالْعَصْرِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ" فَقَدْ سَقَطَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ" وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ". وَمِنْهَا:" حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا". فَادَّعَى هَذَا الْإِنْسَانُ أَنَّهُ سَقَطَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقُرْآنِ:" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا"، وَذَكَرَ مِمَّا يَدَّعِي حُرُوفًا كَثِيرَةً. وَادَّعَى أَنَّ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةَ ﵃ زَادُوا فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ:" اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ" فَأَسْقَطَ مِنَ الْقُرْآنِ" قُلْ هُوَ" وغير لفظ
[ ١ / ٨١ ]
" أَحَدٌ" وادعى أن هذا هو الصواب عَلَيْهِ النَّاسُ هُوَ الْبَاطِلُ وَالْمُحَالُ، وَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ" قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" وَطَعَنَ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَادَّعَى أَنَّ الْمُصْحَفَ الَّذِي فِي أَيْدِينَا اشْتَمَلَ عَلَى تَصْحِيفِ حُرُوفٍ مُفْسِدَةٍ مُغَيَّرَةٍ، مِنْهَا:" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» " فَادَّعَى أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْعِزَّةَ لَا يُشَاكِلَانِ الْمَغْفِرَةَ، وَأَنَّ الصَّوَابَ:" وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَتَرَامَى بِهِ الْغَيُّ فِي هَذَا وَأَشْكَالِهِ حَتَّى ادَّعَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُصَحِّفُونَ:" وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا" وَالصَّوَابُ الَّذِي لَمْ يُغَيَّرْ عِنْدَهُ:" وَكَانَ عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا"، وَحَتَّى قَرَأَ فِي صَلَاةٍ مُفْتَرَضَةٍ عَلَى مَا أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ سَمِعُوهُ وَشَهِدُوهُ:" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ إِنْ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقِرَاءَتَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قِرَاءَتَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا نَبَأً بِهِ". وَحَكَى لَنَا آخَرُونَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقْرَأُ:" وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ بِسَيْفِ عَلِيٍّ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٍ". وَرَوَى هَؤُلَاءِ أَيْضًا لَنَا عَنْهُ قَالَ:" هَذَا صِرَاطُ عَلِيٍّ مُسْتَقِيمٌ". وَأَخْبَرُونَا أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَا يُضَاهِي فَصَاحَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يَدْخُلُ فِي لِسَانِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ﷿ فِيهِمْ:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ" فَقَرَأَ:" أَلَيْسَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ" فِي مَوْضِعِ:" أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي نَحْوِ الْمُعْرِبِينَ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَذَاهِبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَقُلْ: لَيْسَ قُمْتَ، فَأَمَّا: لَسْتَ قمت، بالتاء فشاذ قبيح خبيث ردئ، لِأَنَّ لَيْسَ لَا تَجْحَدُ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلَ هَذَا إِلَّا فِي قَوْلِهِمْ: أَلَيْسَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ مِثْلَهُمْ، وَهُوَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ لَا يُحْمَلُ كِتَابُ اللَّهِ عَلَيْهَا. وَادَّعَى أَنَّ عثمان رضى اله عَنْهُ لَمَّا أَسْنَدَ جَمْعَ الْقُرْآنِ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَمْ يُصِبْ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:" أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ" وَلِقَوْلِهِ ﵇:" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ". وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لِي أَنْ أُخَالِفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ كَمَا خَالَفَهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، فَقَرَأَ:" إِنَّ هَذَيْنِ «٢» "،" فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ"، وَبَشِّرْ عِبَادِيَ الَّذِينَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ،" فَمَا أَتَانِيَ اللَّهُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ. وَالَّذِي فِي المصحف:" إِنْ هذانِ «٣» " بالألف،
_________________
(١) . آية ١١٨ سورة المائدة. []
(٢) . بتشديد النون، قراءة نافع.
(٣) . بتشديد النون، قراءة نافع.
[ ١ / ٨٢ ]
" فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ" بِغَيْرِ وَاوٍ،" فَبَشِّرْ عِبادِ"،" فَمَا آتان الله" بغير ياءين في الموضعين .. كما خَالَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ فَقَرَءُوا:" كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ" بِإِثْبَاتِ نُونَيْنِ، يَفْتَحُ الثَّانِيَةَ بَعْضُهُمْ وَيُسْكِنُهَا بَعْضُهُمْ، وَفِي الْمُصْحَفِ نُونٌ وَاحِدَةٌ «١»، وَكَمَا خَالَفَ حَمْزَةُ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ:" أَتَمُدُّونِ بِمَالٍ" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَفَ عَلَى الْيَاءِ، وَفِي الْمُصْحَفِ نُونَانِ وَلَا يَاءَ بِعَدَهُمَا، وَكَمَا خَالَفَ حَمْزَةُ أَيْضًا الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ:" أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَإِثْبَاتُ الْأَلْفِ يُوجِبُ التَّنْوِينَ، وَكُلُّ هَذَا الَّذِي شَنَّعَ بِهِ عَلَى الْقُرَّاءِ مَا يُلْزِمُهُمْ بِهِ خِلَافٌ لِلْمُصْحَفِ. قُلْتُ: قَدْ أَشَرْنَا إِلَى الْعَدِّ فيما تقدم مما اختلف فِيهِ الْمَصَاحِفُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَذَكَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ هُوَ الَّذِي قَرَأَ" كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا" وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَثِيرٍ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وَمُجَاهِدٌ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ" حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ"، فِي رِوَايَةٍ وَقَرَأَ أُبَيٌّ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُتَّصِلٌ بِالرَّسُولِ ﵇ نَقَلَهُ أَهْلُ الْعَدَالَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَإِذَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرٌ لَمْ يُؤْخَذْ بِحَدِيثٍ يُخَالِفُهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْمُبَارَكِ الْيَزِيدِيُّ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَقَرَأَ أبي عَمْرٍو عَلَى مُجَاهِدٍ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ فِيهَا" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا" فَمَنْ جَحَدَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﵇ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا آثِمٍ. حَدَّثَنِي أبي نبأنا نصر بن الصَّاغَانِيُّ نَبَّأَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: مَا يُرْوَى مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي تُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي يَعْرِفُ أَسَانِيدَهَا الْخَاصَّةُ دون العامة فيما نقلوا عَنْ أُبَيٍّ:" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بذنوب أهلها"، وعن ابن عباس
_________________
(١) . يلاحظ أن الذي في المصحف نونان.
[ ١ / ٨٣ ]
" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحِجِّ". وَمِمَّا يَحْكُونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَرَأَ:" غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِينَ" مَعَ نَظَائِرَ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ كَثِيرَةٍ لَمْ يَنْقُلْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَا تَحِلُّ، وَلَا عَلَى أَنَّهَا مُعَارَضٌ بِهَا مُصْحَفُ عُثْمَانَ، لِأَنَّهَا حُرُوفٌ لَوْ جَحَدَهَا جَاحِدٌ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا، وَالْقُرْآنُ الَّذِي جَمَعَهُ عُثْمَانُ بِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ لَوْ أَنْكَرَ بَعْضَهُ مُنْكِرٌ كَانَ كَافِرًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَزَلْ صَنِيعُ عُثْمَانَ ﵁ فِي جَمْعِهِ الْقُرْآنَ يُعْتَدُّ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ الْعِظَامِ، وَقَدْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ فَانْكَشَفَ عَوَارُهُ، وَوَضَحَتْ فَضَائِحُهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: طَعَنَ قَوْمٌ عَلَى عُثْمَانَ ﵀ بِحُمْقِهِمْ جَمْعَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَرَءُوا بِمَا نَسَخَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَذْهَبُ أَبُو مِجْلَزٍ إِلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَسْقَطَ الَّذِي أَسْقَطَ بِعِلْمٍ كَمَا أَثْبَتَ الَّذِي أثبت بعلك. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ" دَلَالَةٌ عَلَى كُفْرِ هَذَا الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَإِذَا قَرَأَ قَارِئٌ:" تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَمُرَيَّتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ" فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَقَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَبَدَّلَ كِتَابَهُ وَحَرَّفَهُ، وَحَاوَلَ مَا قَدْ حَفِظَهُ مِنْهُ وَمَنَعَ مِنَ اخْتِلَاطِهِ بِهِ، وَفِي هَذَا الَّذِي أَتَاهُ تَوْطِئَةُ الطَّرِيقِ لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ، لِيُدْخِلُوا فِي الْقُرْآنِ ما يحلون به عر الْإِسْلَامِ، وَيَنْسِبُونَهُ إِلَى قَوْمٍ كَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَحَالُوا هَذَا بِالْأَبَاطِيلِ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ إِبْطَالُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي بِهِ يُحْرَسُ الْإِسْلَامُ، وَبِثَبَاتِهِ تُقَامُ الصَّلَوَاتُ، وَتُؤَدَّى الزَّكَوَاتُ وَتُتَحَرَّى الْمُتَعَبَّدَاتُ. وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تعالى:" الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ" دَلَالَةٌ عَلَى بِدْعَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ وَخُرُوجِهِ إِلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّ مَعْنَى" أُحْكِمَتْ آياتُهُ": مَنَعُ الْخَلْقَ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْ يَزِيدُوا فِيهَا، أَوْ يُنْقِصُوا مِنْهَا أَوْ يُعَارِضُوهَا بِمِثْلِهَا، وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا الْإِنْسَانَ زَادَ فِيهَا: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَلِيٍّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. فَقَالَ فِي الْقُرْآنِ هُجْرًا، وَذَكَرَ عَلِيًّا فِي مَكَانٍ لَوْ سَمِعَهُ يَذْكُرُهُ فِيهِ لَأَمْضَى عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ. وَأَسْقَطَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ
[ ١ / ٨٤ ]
" قُلْ هُوَ" وَغَيَّرَ" أَحَدٌ" فَقَرَأَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. وَإِسْقَاطُ مَا أَسْقَطَهُ نَفْيٌ لَهُ وَكُفْرٌ، وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ وَأَبْطَلَ مَعْنَى الْآيَةِ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا: نَزَلَتِ الْآيَةُ جَوَابًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ لَمَّا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، أَمِنْ ذَهَبٍ أَمْ مِنْ نُحَاسٍ أَمْ مِنْ صُفْرٍ؟ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ:" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فَفِي" هُوَ" دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الرَّدِّ وَمَكَانِ الْجَوَابِ، فَإِذَا سَقَطَ بَطُلَ مَعْنَى الْآيَةِ، وَوَضَحَ الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَالتَّكْذِيبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَيُقَالُ لِهَذَا الْإِنْسَانِ وَمَنْ يَنْتَحِلُ نُصْرَتَهُ: أَخْبِرُونَا عَنِ القرآن الذي نقرؤه وَلَا نَعْرِفُ نَحْنُ وَلَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ أَسْلَافِنَا سِوَاهُ، هَلْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، صَحِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي عَارٍ عَنِ الْفَسَادِ وَالْخَلَلِ؟ أَمْ هُوَ وَاقِعٌ عَلَى بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ غَائِبٌ عَنَّا كَمَا غَابَ عَنْ أَسْلَافِنَا وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا؟ فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي مَعَنَا مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ لَا يسقط منه شي، صَحِيحُ اللَّفْظِ وَالْمَعَانِي، سَلِيمُهَا مِنْ كُلِّ زَلَلٍ وَخَلَلٍ، فَقَدْ قَضَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حِينَ زَادُوا فِيهِ" فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتٍ الْجَحِيمِ" فَأَيُّ زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ، وَكَيْفَ تُخْلَطُ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ حَرَسَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَمَنَعَ كُلَّ مُفْتَرٍ وَمُبْطِلٍ مِنْ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ مِثْلَهَا، وَإِذَا تُؤُمِّلَتْ وَبُحِثَ عَنْ مَعْنَاهَا وُجِدَتْ فَاسِدَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ، لَا تُشَاكِلُ كَلَامَ الْبَارِي تَعَالَى وَلَا تُخْلَطُ بِهِ، وَلَا تُوَافِقُ مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أن بعدها" لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" فَكَيْفَ يُؤْكَلُ الشَّرَابُ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ قَبْلَهَا: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي من تحت الجحيم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ. فَهَذَا مُتَنَاقِضٌ يُفْسِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِأَنَّ الشَّرَابَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْتُ الْمَاءَ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: شَرِبْتُهُ وَذُقْتُهُ وَطَعِمْتُهُ
، وَمَعْنَاهُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى الصِّحَّةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي مَنْ خَالَفَ حَرْفًا مِنْهُ كَفَرَ." وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ" لَا يَأْكُلُ الْغِسْلِينَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ أَوْ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ. وَالْغِسْلِينُ: مَا يَخْرُجُ من أجوافهم من شحم وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّدِيدِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا طَعَامٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ الْبَلِيَّةِ وَالنِّقْمَةِ، وَالشَّرَابُ مُحَالٌ أن
[ ١ / ٨٥ ]
يؤكل. فإن ادعى هذا الإنسان أن الْبَاطِلَ الَّذِي زَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ" مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْجَحِيمِ" لَيْسَ بَعْدَهَا" لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" وَنَفَى هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ لِتَصِحَّ لَهُ زِيَادَتَهُ، فَقَدْ كَفَرَ لَمَّا جَحَدَ آيَةً مِنَ القرآن. وحسبك بهذا لقوله رَدًّا لِقَوْلِهِ، وَخِزْيًا لِمَقَالِهِ. وَمَا يُؤْثَرُ عَنِ الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بِكَذَا وَكَذَا إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ يُتْلَى، وَكَذَلِكَ مَا نُسِخَ لَفَظُهُ وَحُكْمُهُ أَوْ لَفَظُهُ دُونَ حُكْمِهِ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.