وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ) " إِذْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَ" فَرَقْنَا" فَلَقْنَا فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ أَيِ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ. وَأَصْلُ الْفَرْقِ الْفَصْلُ وَمِنْهُ فَرْقُ الشَّعْرِ وَمِنْهُ الْفُرْقَانُ لِأَنَّهُ يَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَيْ يَفْصِلُ وَمِنْهُ" فَالْفارِقاتِ فَرْقًا" «٢» [المرسلات: ٤] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ومنه" يَوْمَ الْفُرْقانِ" «٣» [الأنفال: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ الحق والباطل ومنه" وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ" «٤» [الاسراء: ١٠٦] أَيْ فَصَّلْنَاهُ وَأَحْكَمْنَاهُ وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ:" فَرَّقْنَا" بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ جَعَلْنَاهُ فِرَقًا وَمَعْنَى" بِكُمُ" أَيْ لَكُمْ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَكَانِهَا أَيْ فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ أَيْ صَارُوا بَيْنَ الْمَاءَيْنِ فَصَارَ الْفَرْقُ بِهِمْ وَهَذَا أولى يبينه" فَانْفَلَقَ"
_________________
(١) . قائله زهير
(٢) . راج ج ١٩ ص ١٥٣.
(٣) . راجع ج ٨ ص ٢٠.
(٤) . راجع ج ١٠ ص ٣٣٩
[ ١ / ٣٨٧ ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْبَحْرَ) الْبَحْرُ مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاتِّسَاعِهِ. وَيُقَالُ: فَرَسٌ بَحْرٌ إِذَا كَانَ وَاسِعَ الْجَرْيِ أَيْ كَثِيرُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْدُوبٍ فَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) وَالْبَحْرُ: الْمَاءُ الْمَلِحُ. وَيُقَالُ: أَبْحَرَ الْمَاءُ: مَلُحَ قَالَ نُصَيْبٌ:
وَقَدْ عَادَ مَاءُ الْأَرْضِ بَحْرًا فَزَادَنِي إِلَى مَرَضِي أَنْ أَبْحَرَ الْمَشْرَبُ الْعَذْبُ
وَالْبَحْرُ: الْبَلْدَةُ يُقَالُ: هَذِهِ بَحْرَتُنَا أَيْ بَلْدَتُنَا. قَالَهُ الْأُمَوِيُّ. وَالْبَحْرُ: السُّلَالُ «١» يُصِيبُ الْإِنْسَانَ. وَيَقُولُونَ: لَقِيتُهُ صَحْرَةً بَحْرَةً أَيْ بَارِزًا مَكْشُوفًا. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ: صَنْدَفَايِيلُ الْبِحَارُ كُلُّهَا فِي نَقْرَةِ إبهامه. ذكره أبو نعيم عن ثور ابن يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ كَعْبٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَنْجَيْناكُمْ) أَيْ أَخْرَجْنَاكُمْ مِنْهُ يُقَالُ نَجَوْتُ مِنْ كَذَا نِجَاءً مَمْدُودٌ وَنَجَاةً مَقْصُورٌ والصدق منجاة وأنجيت غيري ونجيته وقرى بِهِمَا" وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ" " فَأَنْجَيْناكُمْ". قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ) يُقَالُ: غَرِقَ فِي الْمَاءِ غَرَقًا فَهُوَ غَرِقٌ وَغَارِقٌ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ:
مِنْ بَيْنِ مَقْتُولٍ وَطَافٍ غَارِقِ «٢»
وَأَغْرَقَهُ غَيْرُهُ وَغَرَّقَهُ فَهُوَ مُغْرَّقٌ وَغَرِيقٌ. وَلِجَامٌ مُغَرَّقٌ بِالْفِضَّةِ أَيْ مُحَلًّى. وَالتَّغْرِيقُ: الْقَتْلُ قَالَ الْأَعْشَى:
ألا ليت قيسا عرقته الْقَوَابِلُ «٣»
وَذَلِكَ أَنَّ الْقَابِلَةَ كَانَتْ تُغَرِّقُ الْمَوْلُودَ فِي مَاءِ السَّلَى عَامَ الْقَحْطِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ قتل تغريقا ومنه قول ذي الرمة
_________________
(١) . السلال (كغراب): قرحة تحدث في الرئة أو زكام ونوازل أو سعال طويل وتلزمها حمى هادئة. (عن القاموس).
(٢) . صدر البيت: فأصبحوا في الماء والخنادق
(٣) . المراد به قيس بن مسعود الشيباني. وصدر البيت: أطورين في عام غزاة ورحلة
[ ١ / ٣٨٨ ]
إِذَا غَرَّقَتْ أَرْبَاضُهَا ثِنْيَ بَكْرَةٍ بِتَيْهَاءَ لَمْ تُصْبِحْ رَءُومًا سَلُوبُهَا
وَالْأَرْبَاضُ: الْحِبَالُ. وَالْبَكْرَةُ: النَّاقَةُ الْفَتِيَّةُ وَثِنْيُهَا: بَطْنُهَا الثَّانِي وَإِنَّمَا لَمْ تَعْطِفْ عَلَى وَلَدِهَا لِمَا لَحِقَهَا مِنَ التَّعَبِ.