الفصل الأول: ابن أبي الربيع: حياته وآثاره، وفيه مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه ونشأته:
هو أبو الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي الُأمَويّ ثم العثماني الأندلسي الإشبيلي، يتصل في سلسلة نسبه بالخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
كان موطن أجداده قرطبة إبان أزدهارها واستقرار الأمن فيها، فلمّا اجتاحها الصليبيون خرج جده فيمن خرج من أهل قرطبة فقصد لبلة حيث أقام بها فترة هو وبنوه، ثم ما لبث أنْ غادرها إلى مدينة إشبيلية قاعدة دولة الموحدين يومئذ، وفي مدينة إشبيلية كانت ولادة ابن أبي الربيع سنة ٥٩٩هـ ولا تذكر المصادر شيئًا عن كيفية نشأته الأولى، ولا يبعد أن يكون قد أخذ من حداثة سنه قدرًا كبيرًا من حفظ القرآن الكريم وتجويده أو حفظه كاملا، ثم امتد به الدرس إلى العلوم الأولية التي تعدّ الدارس لما بعدها من الدراسة الموسَّعة في أمهات الكتب والمصادر المبسوطة في مختلف الفنون التي كانت مقصد الدارسين في الأندلس وشغلهم الشاغل.
[ ٣٠٣ ]
وقد قدر لابن أبي الربيع الاتصال بنخبة لامعة من أئمة العلم البارزين في الأندلس وأن يأخذ عنهم ويحمل ما أجازوه حمله وروايته من مصنّفاتهم وسائر الكتب التي رووها عن أشياخهم ودرسوها في مجالسهم وحلقات دروسهم العامة، وقد ساعده على جودة التحصيل طموح قاده إلى التّفوق العلمي، وكفاءة سمت به إلى ذروة المجد يوم خلف شيخه أبا علي الشلوبين على درسه في الجامع الأعظم بإشبيلية بتوجيه من شيخه أبي علي فوصل درسه بدرس شيخه وسنده بسنده في كفاءة نادرة لا يجارى فيها وبراعة فائقة لا يشق له غبار، وأداء ما يتقاصر فيه عن شيخه أبي علي الشلوبين، إن لم يكن فاقة في رجاحة العقل ونباهة الضمير وحسن الممالحة، في مقابل الغفلة والبَلَه اللّذين نحس حظ أبي علي الشلوبين بهما، وغيرهما من الصّفات المنغصة في حياة أبي علي الشلوبين ﵀.
[ ٣٠٤ ]