الاتِّساعُ ضربٌ من الحذفِ عند سيبويه وغيره من أئمةِ النحو المتقدمين، كحذفِ المضافِ وإقامة المضاف إليه مقامه، وكإقامة الظرف مقام الاسم في الإِعراب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (واسأل القرية..) فإنه على تقدير: "واسألْ أهل القرية" ومن أمثلة إقامة الظرف مقام الاسم قولهم: صيد عليه يَوْمانِ، وإنما المعنى: صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع فيه واختصر..) ٢.
أمّا الاتساع عند ابن أبي الربيع فيشمل ما ذكر ويمتد إلى مسائل من الإِعراب والتّصريف لم يكن لها دليلٌ من سماعٍ أو قياسٍ تحمل عليه لذلك نراه يحملها على قاعدة الاتساع، ومن أمثلة الاتساع في هذا السّفْرِ من تفسير ابن أبي الربيع ما يلي:
أوّلًا: نصبَ (يَومَ الدّين) من قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدين) على المفعولية في قراءة عاصم والكسائي، قال في بيان هذا الوجه:
_________________
(١) ٢ ينظر الكتاب ١/ ٢١١، ٢١٢، والأصول ٣/ ٢٥٥.
[ ٣٦٥ ]
قرأ عاصم والكسائي: (مَلك يوم الدين) فَيُمكِنُ أنْ يكونَ (ملك) بمعنى مالك كما قالوا: حذر بمعنى حاذر، ويكون من الملِك بكسر الميم، ويكون قد أضيف إلى يوم الدّين بعدما انتصب يومَ الدين نَصْب المفعول على جهة الاّتساع، كما قال:
طبّاخ ساعات الكرى زَادَ الكسل
على نصب (زادَ) إلى أن يقول:
ويكونُ الأصلُ: مالكًا يومَ الدّين، أَيْ في يوم الدّين ثمَّ انتصبت على أنّهُ مفعولٌ به على الاتِّساع كما ذكرت لك. (٨-٩) .
ثانيًا: نصب (رِزْقًا) لا يكون إلا على الاتساع:
قال في رده على بعض المتأخرين في إعراب (رِزقًا) من قوله ﷿: (فَأَخَرْجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) ١:
(.. وجعل "رزقا" مفعولًا لأجله إنما يكون بعد جعل الرزق مصدرًا، ومِن شرط المصدر إذا كان مفعولًا من أجله ألا ينصب حتى يكون الفاعلُ للفعل المعُلَّلِ في زمانٍ واحدٍ، والرّزق على هذا هو من الله، والإخراج منه سبحانه إلاّ إنّ الزمانَ مختلفٌ، إلاّ أن يكون المعنى: إعداد الرزق فيكون فيه اتساع. (٩٦) .
ثالثًا: الإخبار عن المصدر في قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..) ٢بالناسِ والحجارة فيه اتساع، قال في توجيه الآية السابقة: والْوُقُودُ بضم الواو المصدر، والإخبار عنه بالنّاسِ والحجارة فيه اتّسِاعٌ من وَجْهَين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف.
والثاني: أن يكون جعلَ الناسَ والحجارة وقودًا لمكان الإتّقاد، كما تقول: زيدٌ زَيْن الكلمة، وأطلق الزّين عليه وهو في الأصل مصدرٌ، كما تقول: حياةُ المصباح السليط. (١٠٦) .
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٢٢. ٢سورة البقرة آية: ٢٤.
[ ٣٦٦ ]
رابعًا: الاتساع في المصدر (مثابةً) من الآية الكريمة: (وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) (١) ١.
قال في توجيه كلمة (مثابة) من الآية السابقة: ويمكنُ أن يكونَ (مثابة) مصدرًا يقع على المكان على جهة الاتّساع. (٢٨٧) .
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ١٢٥.
[ ٣٦٧ ]
المبحث الحادي عشر