يُعدّ الشعر أحد المصادر السماعية التي أمدّتْ العربية بأفصح التراكيب وأبلغها، وأحسن الأساليب وأجزل المعاني، وأثره في ترسيخ أصول العربية وقواعدها وضبط أقيستها معروف لدى أهل الصنعة، وقد صُنّف في مصادر تثقيف اللسان وتقويمها بعد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وحَسْبُهُ شرفًا وغايةً أن كان رَدِيفَ هذين الْوَحْيَين في حسن البيان، وفصاحة التراكيب والمفردات. وقد عَلا باللغة العربية إبّان عُصورِ الاحتجاج إلى السماكين، ونأبها بعيدًا عن اللحن في البيان والتسكع في الخطأ الذي تفضله سقطات الصّمت..
واحتجاج ابن أبي الربيع بهذا الرافد يلتزم فيه نهج الرّعيل الأول من أرباب الصنعة فهو لا يحتج إلاَّ بما صَحّت لغتهُ وتقادمت روايته. وقد سلك في الاحتجاج طرائق شتى، فتارة يحتَجُّ بالبيت لبيان مفردةٍ من غريب القرآن، وتارةً يأتي به لتوجيه قراءة من القراءات التي احتجّ بها، وتارةً يحتجُّ به على قَضِيّةٍ نحَوِيَّةٍ أوْ صَرفِيّةٍ.. وفيما يلي يُورِدُ البحثُ أمثلةً تُبينُّ ما ألمحت إليه هذه التوطئة.
قال في تفسير كلمة "الصّلاة " من قوله تعالى: (الذين يُؤْمِنُونَ باَلْغَيْب وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) ١.
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٣.
[ ٣٦٠ ]
(.. الصّلاة: الدعاء، قال:
عَليكِ مثل الّذي صَلّيتِ فاغْتَمِضي يومًا فإنّ لجنب المرءِ مُضطّجعا
وقال آخر:
لها حَارِسٌ لا يَبرُحُ الدّهر بَيْتَها وَإنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْه مَا وزَمْزَما (٢٨)
وقال في تفسير المفلحون من الآية: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ١:
الفلاحُ والفَلَحُ: البقاء، قال الأعشى، وأنشدَهُ يعقوب:
وَلَئِنْ كُنتُ كَقومٍ هَلكوا ما لِحْيّ يالَقومِ مِنْ فلح
أي من بقاء.
وقال عدي بن زيد:
ثمّ بعد الفَلاَح والملكِ والأمْرِ ةِ وَارَتْهُم هُناك القُبُورِ
وقال غيره:
والصّبحُ والمسِىُّ لاَ فَلاحَ مَعه.. (٣٤) .
المعنى: لا بقاء معه.
واحتجّ لقراءة فتح الميم في (مَن) من قوله ﷿: (وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ٢،لبيانِ وَجه الإشكال في إعراب "مَنْ" قال في توجيه الإعراب الذي تحتمله "مَنْ ":
(. وأمّا (والذين مَنْ قَبْلِكُم) فمشكلة وَهِيَ عِندي بمنزلة قول زُهير:
لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَها أُمُّ قشعَمِ
المعنى لدى إلقَاء أمَّ قشعم، فأتى بلدى وحيثُ، وهما لمعنى واحدٍ، ثم جاء بعد حيثُ بجملة في موضعِ خفض ودلّتَ على مخفوض لدى، فكأنّها. بدلٌ مِن لَدَى، ولَدَى تطلبُ مَخْفُوضًا، وحيثُ تطلب جملةً في موضع خَفَضِ، فأتى بالجملة لحيثُ، ودَلّ على
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٥. ٢سورة البقرة آية: ٢١.
[ ٣٦١ ]
مخفوضِ لَدى كما ذَكَرْتُ لَكَ، فقولك: والّذينَ مَنْ قبلكم، والّذين ومَنْ معناهما واحد، فكأنّ مَنْ بدلْ من الذين، وكلاهما تطلبان الصّلة، فأتوا بالصّلةِ لِمَنْ فدَلّت على صِلَةِ الذين.. (٩٢) .
واحتجّ لِحمْلِ المضُارِع على الماضي في قوله تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبيَاءَ الله مِن قَبْلُ) ١فقال:
(وتقتلون وُضِعَ موضعَ قَتَلْتُم والمضارعُ يُوضَعُ موضِعَ الماضي إذا كان معنا ما يدُلُّ على ذلك، قال امرؤ القيس:
لَعمري لَقَوْمٌ قَدْ نَرى الأمْسَ فيهُمُ مَرابط للأمْهَارِ والعَكَرِ الدَّثرُ ٢.
فقوله: الأمْسِ يَدُلُّ على أن نَرى في معنى رأينا، وكذلك "مِنْ قَبْلُ " في الآية يَدُلَّ على أنَّهُ ماض.
واحتجَّ لترجيح الاستعارة على التّشبيه في الآية الكريمة: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْ جِعُونَ..) ٣فقال:
والأنسب الاسْتِعارَةُ، وَإِنَّما تُسمىَّ الاستعارةُ إذا لم يُترك المشبه وطوى ذكْرُهُ، كما قال:
لدى أسدٍ شاكي السّلاحِ مقذفٍ
وعرض للإلتفات في الآية الكريمة: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
وبين صُورَهُ التي يأتي عليها واحتج لكل منها واصفًا ذلك بما له من الفصاحة وحسن البيان فقال:
وفي هذا الخروجُ من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على أوّلِ الكلام لكان إيَّاهُ.
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٩١. ٢ البيت في ديوانه: ١١٢، والعَكَرُ جمع عكرة، والمراد القطيع من الإبل، الدّثر: الكثير من الإبل وغيرها من أصناف المال.. ٣سورة البقرة آية: ١٨.
[ ٣٦٢ ]
وهذا مِنْ فصيح كلام العرب، قال امرؤ القيس:
تطاولَ ليلُكِ بالاثمُدِ فنام الخليّ ولم تَرْقُدِ
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمدِ
فانتقل من الخطاب إلى الغيبة، ثم قال في البيت الثالث:
وَذلِكَ مِن نَبأٍ جاَءني وَخُبِّرتُهُ عَنْ أبي الأسودِ
انتقل إلى التكلم، ويسمى هذا الالتفات، وهو كثير في القرآن، وهذا من فصيح كلام العرب
[ ٣٦٣ ]
المبحث التَّاسع