تناول ابن أبي الربيع طائفة من الكلمات في آي القرآن الكريم بشيء من التحليل والمناقشة والتحقيق في أصولها في الاشتقاق، وعرض للخلاف الوارد في اشتقاق بعض الأسماء، وناقش ذلك مناقشة علميّة مدركة مساقط الخلل وجوانب الصحة والصواب، فضعف ما رآه ضعيفًا ورجح ما استقر عنده رجحانه، مبينًا سبب الضعف وحجته فيما ضعّفه، ووجه الصواب فيما رجحه، وفيما يلي أمثلة ونماذج من مسائل الاشتقاق التي أوردها ابن أبي الربيع.
اشتقاق الاسم
قال في بيان اشتقاق الاسم في مُسْتَهَلّ كلامه على (بسم) اختلف البصريون والكوفيون فيه:
فذهب البصريّون إلى أنه من سَما يَسْمو، وأنّ اللاّم فيه محذوفة، وهو بمنزلة ابن واسْت، واستدلّوا على ذلك بالجمع والتصغير، قالوا في الجمع: أسماء وفي التّصغير سمىّ، وقالوا: سميت فردوا اللاّم فيها فدَلّ على أنّ اللاّم هي المحذوفة.
وذهب الكوفيون إلى أنه من الوسم، وهو العلامة، وأنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا. وأمّا أسماء وسُمَيّ فهو مقلوب، وأصلهُ وسم ثمّ أخِّرت الفاءُ وجُعِلَت مكان اللاّم، وقالوا: أسماء، وقالوا: سُمِي، وقول الكوفيون أقربُ مِن جهة الاشتقاق، وهو مع ذلك أضعف مِن جهة القلب، وقول البصريون أقرب؛ لأنه ليس عندهم فيه قلب، والاسم يظهر مُسمّاهُ ويصيره بحيث تراه، فالاشتقاق فيه قريب، وإن كان اشتقاق الكوفيين أقرب إلى إنّ هذا القرب مِن إدْعاء القلب. (٤) .
[ ٣٣٨ ]
اشتقاق لفظ الجلالة
أورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق لفظ الجلالة: "اللَّه " ولم يعز تلك الأقوال، وإنما عرض في شيء من الإِيجاز لما في بعض من النقل والقلب، وبينّ القول الأقرب إلى الاشتقاق وجهة القلب ومما قاله:
(ومنهم من ذهب إلى أنّه مِن الوله، وهو التّحّير، فالعقولُ تتحير عن إدْراكهِ ﷾ ثمّ جُعِلَتْ الفاءُ عينًا ثُمَّ تحرّكت الياء وقَبْلَها فتحة انقلبت ألفًا.
ومنهم من قال: هو أله إذا تحّير، وَهُوَ أقْرَبُ، لأنه لَيْس فيه قلب.
ويمكن أن يكون لاه يليه إذا استتر، قالوا تَأَلّه الرّجلُ يَتأَلّهُ مشتق مِن هذا. (٤) .
اشتقاق " الْعَالمِينَ "
قال في توجيه الاشتقاق في كلمة "العالمين " من الآية: (الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين):
فاعل بفتح العين لا يكُون في الصّفاتِ ويكونُ في الأسماء قليلًا، وأكثر ما يوجد هذا البناء في الفعل إذا أرادوا أنه فعل بك مثل ما فعلته، نحو: ضاربني زيدٌ وضاربت زيدًا، وقد يأتي على غير ذلك، قالوا: عافاك اللَّهُ، وداينت زيدًا، هذا قليل وإذا صح ما ذكرته فالعالم اسم لا صفة، وهو اسم لكل مخلوق، لأنَّ المخلوق يدلّ على خالقه، فصار علامة تدل عليه سبحانه، فاشتقاقهُ من هذا وقد قيل: إنه مشتق من العلم، لأن من نظر فيه تحصل له العلم.. والاشتقاق الأول أقرب. (٨) .
اشتقاق كلمة النَّاس
تناول ابن أبي الربيع مادة "الناس " الواردة في الآية الكريمة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله) وأصلها في الاشتقاق وما حذف منها، ثم عرض للخلاف في تصغيرها.
[ ٣٣٩ ]
والغرض هنا بيان الاشتقاق، فقد قالت ابن أبي الربيع في أصل كلمة الناس واشتقاقها: (وناس أَصْلُهُ أناس، وهو مشتقٌّ من الإنس، ويقال: أنس وآنس، وتحذف الهمزة كثيرًا مع الألف واللام، وقد جاءت غير محذوفة قال:
إنّ المنَايَا يطَّلِعـ ـن على الأنُاسِ الآمنينا
تداخل الاشتقاق مع القلب والإعلال.
وقد تَتَوارد المسائل التصريفية في كلمة واحدة، فيأتي الاشتقاق مع القلب والإعلال، وذلك لِقُوّة الارتباط والتلازم بَيْنها، وهذا ما نراه في تصريف كلمة النّار الواردة في الآية الكريمة: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فاتقوا النَّارَ..) فقد تناول ابن الربيع مسائل التصريف الواردة فيها بشيء من الإيجاز فقال: (.. والنّار عينها واو، والأصلُ نور، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، يدلك على ذلك في الجمع أنوار إلى أن يقول: واشتقاق النّار من نارت تنور نور ونيارًا، والأصل في نيار نوار لكنها اعتلت لاعتلالها في الماضي، ولو لم تعتل في الماضي لم تعتل في المصدر، قالوا: لاوذ لواذًا فلم تعتل في (لواذًا) لِصحتها في الماضي، وقالوا قام قياما اعتلت في فعال لاعتلالها في الماضي.
الاشتقاق في كلمة شيطان الواردة في الآية الكريمة: (وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزئون):
أورد ابن أبي الربيع اشتقاقين مختلفين في كلمة شيطان وبين ما يرد على كلّ منهما وما يقوى به كل منهما ومادة كلّ في الاشتقاق، ثم ختم الحديث بذكر المصدر لهذين الاشتقاقين، قال في تفصيل ما أجمل هنا:
(.. اختلف النحويَّون في الشيطان، فمنهم مَنْ جعله مشتقًا مِنْ شَطَن إذا أبعدَ، فيكون وزنه فيعالًا بمنزلة بيطار، وهذا القولُ يَقْوى بقولهم: شيطن الرّجل إذا تمرد؛لأنَّ تَفْعِيل مِن كلام العرب وتَفَعْلَنَ ليْسَ مِن كَلامهِم، وجعلهما من مادةٍ واحدةٍ هُوَ البين،
[ ٣٤٠ ]
وأمَّا جعلهما من مادَّتَينْ مُخَتلِفَتين فبعيدٌ، لأنَّ معنى تشَيْطَن صار شَيْطانًا فالأصولُ في شَيْطان هي الأصولُ في تشيطن، والزوائد هي الزوائد في تشيطن.
ومنهم من قال: إنَّ شيطانا فعلانٌ وجعل الياءَ أصْلية، وجعلهُ من شاط يشيط إذا احترق، فإذا اعُترِضَ عليه، بتشيطن قال: تَشَيْطنَ من شَطَنَ إذا أبْعدَ وجَعَلَهما من مادتين مختلفتين.
وهذا القولُ يقوى؛ لأنَّ بناء فعلان أكثر من بناء فيعال، لأنّ النون إذا كانت طرفًا بعد ألِفٍ وقبلها ثلاثة أحرف فأكثر فالغالب عليها أن تكون زائدة.
فهذان قولانِ في شيطان مُزجّحان، فيعال أكثر ترجيح بتشيطن، وفعلان ترجّح بأنَّ الزيادة على النّون في هذا الموطن أغَلبُ من الأصالةِ، فهُمَا قَوْلاَنِ مُتساوِيانِ لِما ذَكَرْتُهُ وبناء فعلان أكثر من بناء فيعالٍ، والقولان لسيبويه في الكتاب ١ (١) (٦٣) .
الاشتقاق في "ذُرِّيّهْ "
من قوله ﷿: (قَالَ وَمِن ذريتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّاِلمِينَ) (٢) ٣:
أورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق "ذُرِّيّه " رجح الأوَّل منها، واستبعد الأخير منها مع ما أورده له من توجيه، وجعل الثاني في درجة القلة لكونه موجودًا في كلام العرب، ومما قاله في هذا الصدد:
.. والذًّرية يمكنُ أنْ تكُونَ من ذرَّ كما تقول: كُلَّما ذَرَّ شارف، أَيّ طَلعَ، وهذا البيّن، فتكون الذُّرية مُشْتقّةُ من هذا، فتكون الياءان لِلنّسب، ويكون كأحمري وكُرْسيّ، ودوارِيّ اللَّفظُ لَفظَ النّسبِ والمعنى على النّسب.
ويمكن أنْ يكونَ مِن ذرا يذرو، تَقولُ: ذرَّت الرّيح الحَبَّ إذا أزالت عنْها التّبْنَ، فيكون وزنه على هذا فعيلة، وفعيل موجود في كلام العرب لكِنَّهُ قليلٌ، فيكون بمنزلةِ دُرِّيِّ ومُرِّيقٌ (١)، فتكون الياءُ الأخيرةُ مُنْقَلِبةً عن واوٍ.
_________________
(١) ينظر الكتاب ٤/ ٢٦٠، ٢٨٦.
(٢) سورة البقرة آ (ي) ة: ١٢٤.
[ ٣٤١ ]
ويمكن أن يكون مِن ذرأ يذرأ إذا خَلَقَ، ويكون الأصْلُ ذُرْئِيّة بهمزةٍ ثم أبْدِلَتْ الهمزة ياءً للتسهيل، كما قالوا: في النّبىء، والنّبيّ، فجاء فُرّية فأدغمت الياء في الياء الأخيرة، وهذا الأخير عندي أبعدُ الثلاثة ة لأنّهُ قضى فيه! بالهمزة، ولو كان من الهمزة لنطق به، ففي هذا زيادة على فعيل. (٢٨٦-٢٨٧) .
_________________
(١) ١ ينظر الكتاب ٤/٢٦٨.
[ ٣٤٢ ]
المبحث السَّادس