عَرّفه ابن الأنباري بأنه: (حملُ غيرُ المنقُول على المنقول إذا كان في معناه) .
وقال السيوطي: (وهو معظم أدلة النحو، والمعول في غالب مسائله عليه، كما قيل: إنما النحو قياس يتبع) .
ومن يُقلّب صفحات كتب النحو يجد أنَّ القياس كان أحد الركائز التي قام عليها صرح علم النحو وبُسطت به مسائله وأحكمت قواعده، واسْتقَام به الدرس النّحويُّ، وكان أحد الروافد المعينة لأئمة النحو في توجيه المسائل التي لم يكن لها دليلٌ من نقل فحملوها بمقتضى القياس على ما يماثلها مِمّا استقام نهجها على مجاري كلام العرب. وابن أبي الربيع في مؤلفاته النحوية، وفي هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز ينزع منزع السلف من أئمة النحو في التَّعويل على القياس في المسائل التي لا مستند لها من النقل أو السماع الموثوق به، ومِمّا وجهه في هذا الجزء من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه على مقتضى القياس ما يلي:
الجر بحرف الجر المحذوف إذا كان مجروره أنّ أو أن وذلك قياسًا على (ربّ) قال في
[ ٣٦٣ ]
توجيه الآية الكريمة: (إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً..) (أن يَضْرِبَ) على إسقاط حرف الجر، وأصله: إنَّ الله لا يستحي من أن يضرب ثم حذف مِنْ.. واختلف الناس في بقاء عمله أو زوال عمله كما اختلفوا في (أنّ) وكلا الوجهين له وجه، والأظهر عندي أن يبقى العمل فيما حَذْفُه كثير، ويجرى مجرِى رُبّ، فإنها حُذِفَتْ وبقى عملها ٠٠) . (١٢٠) .
المصدر الموضوع موضع الحال القياس أن يكون مفعولًا لأجله
قال في توجيه إعراب (بغيًا) من الآية الكريمة: (بئْسَمَا اشترَوا بهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ الله بَغْيًا) .١.
(.. (وبَغْيًا) مصدرٌ في موضع الحالِ، أيْ باغين لأجلِ أنْ ينِزّل الله من فضلهِ، أو يكونَ مفعولًا لأجلهِ، لأنَّ المصدَرَ الموضوع موضع الحال يُحفظُ ولا يقاس عليه، والمفعول من أجله قياس. (١٣٥) .
ويتكررُ هذا بتفصيل أدق في المصدر (حسدًا) الواردة في قوله ﷿: (وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا) ٢.
قال في توجيه إعراب (حسدا):
(.. و(حسدًا) هو يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، أيْ ودوا بحَسْدِهِم، ويُحتملُ أن يكون "حسدًا" مصدرًا في موضع الحالِ، والمعنى: حاسدين لكم. والأوّل أحسنُ، لأن المصدر في موضع الحال يُحفظُ ولا يقاسُ عليه، والمفعول من أجله مطردٌ قياسٌ إذا صحت شروطه، لأنّه مصدرٌ لفاعل الفعل المعلّلِ، وهو معه في زَمن واحدٍ) . (٢٧٢) .
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٩٠. ٢سورة البقرة آية: ١٠٩.
[ ٣٦٤ ]
القياسُ في وزنِ مَرْيَم
قال فيما يقاس عليه وزن مريم من قوله تعالى: (وَآتَيْنَا عِيسَى أبْنَ مَرْيَمَ) ١:
(.. ووزن مريم: مَفْعَل، وشذّ في الصحيح، وكان قياسهُ: مرامًا ولا يُدعى أنه فعيل، وأنّ الميم أصلية، لأن الأكثر على الميم إذ كانت أولًا أن تكون زائدة، ولأن فَعيلا بفتح الفاء معدوم من كلام العرب، وإنما يوجد فِعيل وفُعيل، قالوا عثير للتراب، وقالوا ضُمَيد اسم وادٍ. فتجنّبُ العرب فعيلا دليل على أنه مرفوض من كلامهم، فكأنه منقول من رام يريم، تقول العرب: ما يريم، أي ما يزال ما يبرح ) . (٢٣١) .
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٨٧.
[ ٣٦٥ ]
المبحث العاشر