قُدِّرَ لابن أبي الربيع نشأة علمية متميّزة حَقَّقتْ له طموحه في التّحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على موارد العلم المختلفة، والإحاطة بأكثر العلوم العقلية والنقلية التي كانت شغل العالمين والدارسين في عصره. ولذا نجده ينعت باللغوي والنحوي، والفرضي، وإمام المقرئين، الحافظ، الحسابي المتقن.
وهذه النعوت تدل على تمكنه من أكثر الفنون وتحقيقه فيها، وَلَئن كانت السمة الغالبة على آثاره الموجودة والمذكورة في مصادر ترجمته تنحصر في علم النحو والتصريف وما يتصل بهما إنَّ له مشاركة وتمكنًا في أكثر العلوم التي واظب على دراستها طالبًا يتلقىَّ، وعالمًا يُعطى ثمرة تحصيله العلمي ونتيجة نشاطه وعصارة فكره لطلابه في الحديث وفقه ورجاله إسناده، والفقه وأصوله، وفي القراءات والتفسير، والفرائض، بله النحو والصرف وعلوم اللغة العربية وقد أفاضت كتب التراجم والفهارس والبرامج بابن أبي الربيع وأبانت عن مكانته بين علماء عصره، فتلميذه ابن الشاط يقول: في شأنه: "أعلم مَن لقيناه، وأعظم مَنْ روينا عنه العلم ولقنّاه، وأجلُّ مَنْ نظم بين يديه اجتماعنا وعظم بما لديه انتفاعنا"١.
ويقول تلميذه التجيبي: "شيخ الأستاذين، وإمام المقرئين، وخاتمة المعربين العلامة الأوحد، الحافظ النحوي اللغوي الحسابي، الفرضي"٢.
وقال السيوطي: "إمام أهل النحو في زمانه، ولم يكن في طلبة الشلوبين أنجب منه"٣.
وقال ابن القاضي: "كان إليه المفزع في المشكلات بصيرًا بالفقه وأصوله والقراءات والحساب، والفرائض، وإمام الناس في النحو."٤.
_________________
(١) ١ مقدمة برنامج ابن أبى الربيع ٢٥٥. ٢ برنامج التجيبى ١٦. ٣ بغية الوعاة ٢/ ١٢٥. ٤ درة الحجال ٣/ ٧١.
[ ٣١١ ]
هذه أمثلة من شهادات بعض العلماء الذين اتّصلوا به وقيدوا عنه، والذين رووا طرفًا من سيرته العلمية، وَهِي تدلّ على ما بلغه قَدْرُهُ، وما انتهت إليه شهرتُهُ في العلم والتدريس والإجازة، فقد كان مقصد الدارسين من كل فج، وحديث العلماء في المشرق والمغرب، الذين تناقلوا أخباره وتداولوا كتبه يفيدون منها ويتدارسونها ويفزعون إليها في مواطن الاختلاف وتحرير المسائل، وحسبه أن يَسْتخلفه شيخه أبو علي الشلوبين على كرسيه في الجامع الأعظم بإشبيلية ليقوم بدرسه من بعده، فقام به خير قيام وأدّى أداءهُ في توجيه المسائل الدقيقة، باستقصاء أطرافها واستجلاء غوامضها، مِماَّ أعلى قدره يومئذٍ بين الدارسين فاشرأبت إليه الأعناق، وتزاحمت في حلقة دروسه مناكب طلاب العلم على مختلف مراحلهم ودرجاتهم، وحسبه أن كان من آخر المقرئين لكتاب سيبويه العارفين بغوامضه الفاتحين مغاليقه المقربين ما تناء من مسائله، العالمين بعويصه ومشكله، وقد أُعين على ذلك بالانقطاع إلى العلم ومباعدة أهل الدنيا وقلة الصوارف والعيال١.
_________________
(١) ١ صلة الصلة ٨٣.
[ ٣١٢ ]