لم يصرح ابن أبي الربيع بالانتماء إلى مذهب بعينه من مذاهب النحويين لكنه في عرض المادة العلميّة ومناقشة المسائل التي جرى فيها الخلاف يختار مذهب البصريين وُيرَجّحه على مذهب الكوفيين، وكثيرًا ما عَوّل على ما قرّرَهُ سيبويه، وهذا التوجه عند ابن أبي الربيع لا يقف به عند مسائل بعينها بل يمتد على أكثر المسائل التي كان لسيبويه فيها أثر من اختيار أو قول، ويظهر هذا أكثر ما يظهر في شروحات ابن أبي الربيع ومصنفاته في العربية، ويوجد له في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز بعض الاختيارات والترجحات لمذهب سيبويه ومذهب البصريين، وقد يرجح قولًا أو اختيارًا لأبي علي الفارسي، لأنّ أبا علي الفارسي عَوّل على مذهب سيبويه كثيراَ وترسم نهجه في أكثر المسائل التي كانت موطن الخلاف بين البصريين، واكتفى هنا بعرض نموذج مما يظهر فيه تأثر ابن أبي الربيع بمذهب البصريين، واختياره له، في مجال الترجيح.
العطف ضمير الرفع المتصل
عرض لهذه المسألة عند تفسيره للآية الكريمة: (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) ففصل القول في المسألة على مذهب البصريين ولم يشر إلى مذهب الكوفيين فيها، إمّا
[ ٣٦٧ ]
لأنه لا يرى مساغًا لذكره لأنَّ محِلَّه كُتُبُ العربية، وإمّا لأنّ قولهم في المسألة لم يكن مَحِلّ بحث وموازنة لاشتهاره بين المعربين فاقتصر على ما يراه في المسألة راجحًا، ومما قاله في توجيه الآية:
(.. (أنت) توكيد للضمير في اسكن بدليل قولهم في التّثنية: اسْكنا أنتما، وفي الجمع: اسْكنوا أنتم. (وَزَوْجُكَ) مَعْطُوفٌ على الضَّمِير المُسْتّتر في اسْكُن لا على (أنْتَ) لأنَّ (أنْتَ) توكيد للضّمير فيجبُ أنْ يكونَ المعْطُوف عَليهِ توكيدًا ولَيْسَ بتوكيد له ولا معنى فيه للتوكيد، فهو معطوفٌ على الضمير المسُتَترِ نفسه، ولا يُعطَفُ على الضمير المرفوع المتَّصل حتَّى يُؤكد أو يُفصلُ بفاصِل يَتَنَزَّلُ منزلة التوكيد، نحو قوله سبحانهَ: (ولَوْ شاء الله ما أَشْرَكْنَا وَلاَ أَبَآؤُنَا) ١. (١٤٤) .
وما ذكره ابن أبي الربيع هنا هو مذهب البصريين في المسألة أمَّا الكوفيون فَمذهبهم جواز العطف دون فاصل، ولهم شواهد نظمًا ونثرًا، وقد أخذ بمذهبهم ابن مالك في التسهيل (٣٧٤/٣)، وشواهد التوضيح (٢ ١١)، ومن الشواهد على العطف دون فاصل التي أوردها ابن مالك قول عمر ﵁: (كنت وجارٍ لي من الأنصار ٢، وقول علي ﵁ فيما حدث به: (.. كنت وأبو بكر وعمر ولما ٠٠) ٣.
الجزم على جواب الأمر
قالت في توجيه الآية الكريمة: (.. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) ٤:
(.. أوف مجزوم على جواب الأمر، وأبو علي يرى أنّ الشرط محذوف، والتقدير:
إنْ وفيتم أوف بعَهِدِكُم، كما تقولُ: ادرسْ تَحفِظْ، التقدير: إنْ تَدْرُسْ تحفظ، وهذا
_________________
(١) ١سورة الأنعام آية: ١٤٨. ٢ينظر فتح الباري ١١٤/٦ كتاب المظالم. ٣المصدر السابق ٧/ ٢٢ كتاب فضائل الصحابة. ٤سورة البقرة آية: ٤٠.
[ ٣٦٨ ]
الجزم جائز في جواب الجملة إذا لم تكُنْ خبرًا، فإن كانت خبرًا منفيًّا أو موجبًا لم تجزم وبقَيَ الفعلُ مرفوعًا. وإذا كان جوابًا للنهي فلا يكون مجزومًا حتّى يكونَ جوابًا لعدم النقل. فإن كان جوابًا للواجب لم يجزم، فتقول: لا تدن من الأسَدِ تَسْلَمْ، لأن السّلامة مُسَبّبةٌ عن عدم الدنو ولا تقول: لا تدنُ من الأسَدِ يأكُلْك. والرفعُ في هذا كله هو كلام العرب.
وقوله ﷺ: "لاَ تَرْجِعُوا بعدي كفارًا يضرِّبْ بعضكم رِقاب بعض " ١ إدْغَامٌ وليس بجزم بمنزلة: (وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورَا) ٢ في قراءة أبي عمرو في الإِدغام الكبير.. وفي هذين الفصلين خالف الكوفيون، فأجازوا الجزم، والصحيح ما ذكرته لك. (١٥٣) .
والذي صححه هنا أهو قول البصريين في المسألة، وقد نبه عليه في كتابه الملخص (١/١٥٦-١٥٧)، وذكره غيره من النحويين.
وقد سبق القول في متعلق الجار والمجرور في بسم حيث ظهر ميله إلى مذهب البصريين فيه، وكذلك القول في اشتقاق الاسم، إذ يظهر من مناقشته للمذهبين توجيه قول البصريين في مقابل توهين قول الكوفيين ٣٠ (١٥٣) .
_________________
(١) ١ينظر الحديث في قح الباري كتاب المظالم باب الإنصات للعلماء ٤٣/٣. ٢سورة الفرقان آية: ١٠، وينظر القراءة المعزوة لأبى عمرو في كتاب السبعة ٤٦٢. ٣ينظر ص ٣٤٦، ٣٧١.
[ ٣٦٩ ]
المبحث الثاني عشر