الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير: أعنى الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب (أُولئِكَ عَلى هُدىً) . فإذا كان موصولا، كان الوقف على المتقين حسنًا غير تامّ. وإذا كان مقتطعًا، كان وقفًا تاما. فإن قلت: ما هذه الصفة، أواردة بيانا وكشفا للمتقين؟
أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات اللَّه الجارية عليه تمجيدًا؟ قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات. أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما. ألم تر كيف سمى رسول اللَّه ﷺ الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟ وسمى الزكاة قنطرة
[ ١ / ٣٧ ]
الإسلام؟ «١» وقال اللَّه تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) . فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها. ومن ثم اختصر الكلام اختصارًا، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين. وأما الترك فكذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)؟ ويحتمل أن لا تكون بيانا للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي.
ويحتمل أن تكون مدحا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصًا للإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهارًا لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات والإيمان: إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيرى. ثم يقال: آمنه إذا صدّقه.
وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة. وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف. وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة- أى ما وثقت- فحقيقته: صرت ذا أمن به، أى ذا سكون وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أى يعترفون به أو يثقون بأنه حق. ويجوز أن لا يكون (بالغيب) صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال، أى يؤمنون غائبين عن المؤمن به. وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)، (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) . ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد اللَّه ذكروا أصحاب رسول اللَّه ﷺ «٢» وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بينًا لمن رآه. والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية. فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالا؟ قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى
_________________
(١) . أما الحديث الأول، فأخرجه البيهقي في الشعب من طريق عكرمة عن عمر ﵁ في حديث في آخره «والصلاة عماد الدين» قال: وعكرمة لم يسمع من عمر. قال: وأراه عن ابن عمر ﵄. وله شاهد من حديث على ﵁ بلفظ «الصلاة عماد الإسلام» أخرجه الأصبهانى في الترغيب. وغفل ابن الصلاح في مشكل الوسيط فقال: هذا حديث غير معروف. قلت: والطيبي عزاه لتخريج الترمذي في حديث معاذ ففيه «وعموده الصلاة»، ولا يخفى بعده. وأما الحديث الثاني، فرواه مسلم من حديث جابر ﵁ بلفظ «بين الرجل وبين الكفر تركه الصلاة» . وأما الحديث الثالث، فرواه إسحاق في مسنده من حديث أبى الدرداء ﵁ به سواء. وفيه الضحاك ابن حمق. وهو ضعيف.
(٢) . موقوف. أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن زيد «ذكروا عند عبد اللَّه بن مسعود. الخ» وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٨ ]
الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك. غاب الشيء غيبا، كما سمى الشاهد بالشهادة. قال اللَّه تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) . والعرب تسمى المطمئن من الأرض غيبًا. وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها. يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت. وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل «قيل» وأصله:
قيل: والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلا عليه. ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب. وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوّات وما يتعلق بها، والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك. وإن جعلته حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء، فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟ «١» قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدّقه بعمله. فمن أخل بالاعناد- وإن شهد وعمل- فهو منافق. ومن أخل بالشهادة فهو كافر. ومن أخل بالعمل فهو فاسق.
ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود- إذا قوّمه- أو الدوام عليها والمحافظة عليها، كما قال عز وعلا: (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ)، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) من قامت السوق إذا نفقت، وأقامها. قال:
_________________
(١) . قال محمود رحمه اللَّه تعالى: «إن قلت ما معنى الايمان الصحيح … الخ» . قال أحمد ﵀: يعنى بالفاسق غير مؤمن ولا كافر، وهذا من الأسماء التي سماها القدرية وما أنزل اللَّه بها من سلطان. ومعتقد أمل السنة أن الموحد للَّه الذي لا خلل في عقيدته مؤمن وإن ارتكب الكبائر. وهذا هو الصحيح لغة وشرعا. أما لغة فان الايمان هو التصديق وهو مصدق. وأما شرعا فأقرب شاهد عليه هذه الآية، فانه لما عطف فيها العمل الصالح على الايمان دل على أن الايمان معقول بدونه. ولو كان العمل الصالح من الايمان لكان العطف تكرارًا. وانظر حيلة الزمخشري على تقريب معتقده من اللغة بقوله: المؤمن من اعتقد الحق وأعرب عنه بلسانه وصدقه بعمله. فجعل التصديق من حظ العمل حتى يتم له أن من لم يعمل فقد فوت التصديق الذي هو الايمان لغة. ولقد أوضحنا أن التصديق إنما هو بالقلب ولا يتوقف وجوده على عمل الجوارح مما يحقق معتقد أهل السنة أن من آمن باللَّه ورسوله ثم اخترم قبل أن يتعين عليه عمل من أعمال الجوارح فهو مؤمن باتفاق وإن لم يعمل. وأصدق شاهد على ذلك قوله ﵊ «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا فواق ناقة عمل بعمل أهل الجنة فكتب من أهل الجنة» وإنما مثل ﵊ بفواق الناقة لأنه الغاية في القصر، ومثل هذا الزمان إنما يتصور فيه القصد الصحيح خاصة، ومع ذلك فقد عده من أهل الجنة. وإنما يدخل المؤمن الجنة باتفاق الفريقين، والأدلة على ذلك تجرد كون الشرط فيه شطرا. أقول: تفسير الفاسق بغير مؤمن ولا كافر كما هو مذهب المعتزلة غير موجه والشيء الذي هو لم يصرح به لا يجب علينا تصريحه وتعريفه فان عندنا «الضال» من أخل بالعمل فهو فاسق.
[ ١ / ٣٩ ]
أَقَامَتْ غَزَالةُ سُوقَ الضِّرَابِ … لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولًا قَمِيطًا «١»
لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشىء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون. وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشىء الكاسد الذي لا يرغب فيه. أو التجلد والتشمر لأدائها. وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توان، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها. وفي ضدّه: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه- إذا تقاعس وتثبط- أو أداؤها، فعبر عن الأداء بالإقامة لأنّ القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت- والقنوت القيام- وبالركوع وبالسجود. وقالوا: سبح، إذا صلى لوجود التسبيح فيها.
(فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) .
والصلاة: فعلة من صلى، كالزكاة من زكى. وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى: حرّك الصلوين لأن المصلى يفعل ذلك في ركوعه وسجوده. ونظيره كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لأنه ينثني على الكاذتين «٢» وهما الكافرتان. وقيل للداعي: مصلّ، تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد.
وإسناد الرزق إلى نفسه «٣» للإعلام بأنهم ينفقون الحلال «٤» الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللَّه، ويسمى رزقا منه. وأدخل من التبعيضة صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به. وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها وهي الصلاة
_________________
(١) . لأيمن بن خزيم. وغزالة: امرأة شيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة كاملة، فسوق الضراب: مجاز عن ميدان المحاربة، أو شبه المطاعنة بالرماح والمضاربة بالسيوف بالأمتعة التي تباع وتشترى في السوق على سبيل المكنية والسوق تخييل. والعراقان: البصرة والكوفة. والقميط: التام نعت مؤكد، ويقال: قمط الطائر أنثاه: سفدها. والقماط: حبل تشد به الأسرى والأخصاص، فالمادة دالة على الاحاطة والضم.
(٢) . قوله «على الكاذتين» في الصحاح: الكاذتان ما نشأ من اللحم في أعالى الفخذ اه (ع)
(٣) . قال محمود ﵀: «أضاف الرزق إلى نفسه للاعلام بأنهم إنما ينفقون من الحلال الطلق … الخ» . قال أحمد ﵀: فهذه بدعة قدرية، فإنهم يرون أن اللَّه تعالى لا يرزق إلا الحلال، وأما الحرام فالعبد يرزقه لنفسه حتى يقسمون الأرزاق قسمين: هذا للَّه بزعمهم، وهذا لشركائه. وإذا أثبتوا خالقا غير اللَّه، فلا يأنفون عن إثبات رازق غيره. أما أهل السنة فلا خالق ولا رازق في عقدهم إلا اللَّه سبحانه. تصديقا بقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أيها القدرية.
(٤) . قوله «بأنهم ينفقون الحلال» مبنى على أن الرزق مختص بالحلال، وهو مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة: الرزق أعم. (ع)
[ ١ / ٤٠ ]
وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبل الخير، لمجيئه مطلقًا يصلح أن يتناول كل منفق.
وأنفق الشيء وأنفده أخوان. وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد واحد. وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت.