١ - عمر بن الخطاب - ﵁ -:
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبو حفص المدني، أحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمي أمير المؤمنين، شهد بدرًا، والمشاهد إلا تبوك، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر - ﵄ - وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلًا، وعن ابن عمر مرفوعًا: " إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه "، ولما دفن قال ابن مسعود: " ذهب اليوم تسعة أعشار العلم "، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن في أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة.
ب - دوره في التفسير:
لقد تهيب عمر بن الخطاب -كما تهيب أبو بكر قبله- القول في كتاب اللَّه، والأمثلة على ذلك كثيرة، من ذلك ما يرويه الشعبي قال: " سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد ".
يقول الشعبي: " فلما استخلف عمر، قال: إني لأستحيي من اللَّه أن أرد شيئًا قاله أبو بكر، ثم يتردد عمر فيرجع آخر عهده عن هذا القول، ويذهب إلى أن الكلالة من لا ولد له، ويقول: وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي فيها من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه، ثم يقول: ثلاث لأن يكون النبي - ﷺ - بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة، وأبواب الربا، والخلافة ".
[ ١ / ٢١٧ ]
فهذا الموقف يكشف -أولًا- عن تهيب عمر بن الخطاب مقتديًا بأبي بكر من القول في كتاب اللَّه، ويكشف -ثانيا- عن أنه برغم التهيب فإن عمر أدلى بدلوه في التفسير، وذلك حين تكون هناك مصالح عملية وواقعية تتوقف على مدلول العبارة.
ولكي يصل إلى جواب قاطع للمسألة، كان أحيانًا يلجأ إلى طرح المسألة على الناس، مثلما فعل في مسألة تحديد ليلة القدر، فقد روى أبو نعيم عن مُحَمَّد بن كعب القرظي عن ابن عَبَّاسٍ أن عمر ابن الخطاب - ﵁ - جلس في رهط من الصحابة فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عَبَّاسٍ لا تتكلم؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عَبَّاسٍ: فقلت: يا أمير المؤمنين إن اللَّه وتر يحب الوتر، فجعل الدنيا تدور على سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق فوقنا وتحتنا سبعًا، فأراها في السبع الأواخر من رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه.
والحق أن عمر بن الخطاب في تفسيره للقرآن كان يسلك مسلكًا واقعيًّا عمليًّا، بمعنى أنه إذا كانت هناك مصلحة عملية تتوقف على تحديد مدلول اللفظ، فإن التفسير في هذه الحالة يصبح بحثًا ملحًّا وأمرًا ضروريًّا، وأما إن لم تكن هناك مصلحة عملية فلا بأس عنده ألا يدري مدلول اللفظ؛ ولذلك نجده فيما يروي عنه حين كان يقرأ قوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)، فقال: الفاكهة والقضب، وهذه الأشياء عرفناها، فما الأبُّ؟ فوضع يده على رأسه ثم قال: " إن هذا لهو التكلف يا ابن الخطاب، وما عليك ألا تدري ما الأبُّ؟ ".
ومن كل ما سبق يتكشف لنا أن دور عمر بن الخطاب في التفسير كان دورًا محدودًا، لكنه لبنة في تطور التفسير لا يمكن إهمالها وتركها دون الإفادة منها.
٢ - علي بن أبي طالب - ﵁ -:
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الحسن ابن عم النبي - ﷺ - وختنه على ابنته، أمير المؤمنين، يكنى: أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًّا، له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق البخاري
[ ١ / ٢١٨ ]
ومسلم على عشرين منها وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، شهد بدرًا والمشاهد كلها، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومُحَمَّد، وفاطمة، وعمر، وابن عباس، والأحنف، وأمم.
قال أبو جعفر: كان شديد الأدمة ربعة إلى القصر، وهو أول من أسلم من الصبيان جمعًا بين الأقوال، قال له النبي - ﷺ -: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "، وفضائله كثيرة، استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذ أفضل من على وجه الأرض.
ب - دوره في التفسير:
الرواية عن علي بن أبي طالب كثيرة، وذلك راجع إلى أمور، أبرزها:
الأول: تأخرت وفاته عن الخلفاء السابقين، فقد كانت وفاته - ﵁ - عام ٤٠ من هجرة النبي - ﷺ -.
الثاني: وجد في زمن كثرت فيه حاجة الناس إلى التفسير؛ وذلك لاتساع رقعة الإسلام، ودخول الأعاجم فيه حتى كادت تذوب بهم خصائص العروبة، ونشأ جيل من أبناء الصحابة كان في حاجة إلى علم الصحابة.
الثالث: فهم علي - ﵁ - العميق للقرآن، وخصوبة فكره، وغزارة علمه، فكان أهلًا لأن يحمل عنه، ويدل على هذا ما روى معمر عن وهب بن عبد اللَّه عن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا يخطب وهو يقول: " سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّه ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار؟ أفي سهل أم في جبل؟ ".
[ ١ / ٢١٩ ]
وما روي عن ابن مسعود قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن ".
والآثار الكثيرة المروية عن علي - ﵁ - تدل دلالة واضحة على فضله ومنرلته في التفسير، ومدى الدور الذي اضطلع به في هذا الشأن.
كما أنه يعتبر أول من وضع بفكره الثاقب، ونظره الصادق في القرآن الكريم - اللبنة الأولى في منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي ما زال -حتى عصرنا هذا- يتحسس طريقه، ويخطو خطواته الأولى عليه، فقد كان علي - ﵁ - يجمع الآيات في الموضوع الواحد ليستخلص منها جميعًا حكمًا صادقًا يفسر فيه القرآن بعضه بعضًا.
يدل على هذا ما رواه ابن حزم من أن عليًّا ذكر عثمان حين أراد إقامة حد الزنى على من وضعت بعد زواجها بستة أشهر بقول اللَّه تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) مع قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، فرجع عثمان عن إقامة الحد عليها ".
" أي أن عثمان حكم العادة الجارية من أنه لا تلد المرأة لأقل من سبعة أشهر، فاعتبر ولادتها قبل ذلك قرينة لإقامة الحد عليها، لكن عليًّا يستدرك عليه ويتدارك الأمر، حيث حكم القاعدة التي تدرأ الحدود بالشبهات، وفهم من الآيتين السابقتين مجتمعتين أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر، واعتبر ذلك شبهة تحول دون القطع بوقوع الزنى، ومن ثم فلا يقع الحد ".
يتبين من خلال ما سبق البصمة الواضحة للإمام علي - ﵁ - في التفسير، وإسهامه الواضح في تطوره.
[ ١ / ٢٢٠ ]
٣ - عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ (ترجمان القرآن)
حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد اللَّه، ابن عم رسول اللَّه - ﷺ - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁.
مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.
صحب النبي - ﷺ - نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة.
وحدث عن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وخلق.
وقرأ على أبي، وزيد.
قرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.
روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد اللَّه بن معبد، ومواليه: عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وخلق كثير.
وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلى أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل ومُحَمَّد، وعبيد اللَّه، ولبابة، وأسماء.
وكان وسيمًا، جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال.
وأولاده: الفضل، ومُحَمَّد، وعبيد اللَّه، ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء كانت عند ابن عمها عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس، فولدت له حسنًا، وحسينًا.
انتقل ابن عَبَّاسٍ مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان، وأمي من النساء.
وعن طاوس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عَبَّاسٍ.
وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عَبَّاسٍ، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة.
وروى الأعمش، عن مجاهد، قال: كان ابن عَبَّاسٍ يسمى البحر؛ لكثرة علمه.
وعن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عَبَّاسٍ إلا أن يقول قائل: قال رسول اللَّه - ﷺ -.
وعن طاوس، قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عَبَّاسٍ، فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله.
[ ١ / ٢٢١ ]
قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عَبَّاسٍ، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم.
الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابن عَبَّاسٍ، وهو أمير على الموسم، فافتتح سُورَةَ النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس، والروم، والترك لأسلمت.
قال علي بن المديني: توفي ابن عَبَّاسٍ سنة ثمان أو سبع وستين.
وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان، وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة.
ب - دوره في التفسير:
فاز عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - ﵄ - بدعوة رسول اللَّه - ﷺ -: " اللهم فقهه في الدِّين وعلمه التأويل "، فكان له القدح المعلى بين صحابة رسول اللَّه - ﷺ - في تفسير القرآن، حتى أنه يوجد له تفسير يتداوله الناس يسمى تفسير ابن عَبَّاسٍ.
وقد كان ابن عَبَّاسٍ - ﵁ - أكثر جرأة في الاجتهاد، فيروي عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)، فقال: اذهب إلى ابن عَبَّاسٍ فاسأله، ثم تعال فأخبرني، فذهب فسأله، فقال: " كانت السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات " فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال: " قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عَبَّاسٍ على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه أوتي علمًا ".
وابن عَبَّاسٍ يقف على رأس من يرون أن كلام العرب يوضح ما غمض من ألفاظ القرآن الكريم، وأن الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن رجعنا إلى ديوانها، ومساءلات نافع بن الأزرق التي أربت على المائتين تدل على ذلك.
ومن ثم يمكن القول -وللأمانة العلمية-: إن المنهج اللغوي في تفسير القرآن من صنع ابن عَبَّاسٍ - ﵄ - فهو الذي أرسى دعائمه، معتمدًا في ذلك على البذور التي بذرها رسول اللَّه - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون، وبخاصة عمر.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وكان ابن عَبَّاسٍ يبين في تفسيره الكلمات المعربة عن لغات أخرى غير العربية، مما يؤكد رئاسته للمنهج اللغوي، حتى قيل عنه: " إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن الكريم ".
وإذا كان ابن عَبَّاسٍ قد اهتم بالتفسير اللغوي. فإنه -أيضا- ركز على عنصر الأخبار في تفسيره، وبخاصة الأخبار التي لم ترد في حديث النبي - ﷺ - فكان يرجع إلى التاريخ العام، وأخبار الأمم، وبخاصة أهل الكتاب، فكان - ﵁ - يرجع إليهم ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في
[ ١ / ٢٢٣ ]
القرآن وفصلت فيهما.
إن ابن عَبَّاسٍ - ﵄ - بما أوتي من علم بكتاب اللَّه أسهم إسهامًا كبيرًا في نشأة علم التفسير وتطوره، بل إنه ليعد من أكبر مفسري القرآن الكريم في عصور الإسلام المختلفة، فقد كانت له مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عنه، استقرت في مكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عَبَّاسٍ يَلْقَى من المسلمين إعجابًا وتقديرًا، إلى درجة أنه إذا صح النقل عنه لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر، وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عَبَّاسٍ مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء في التفسير.
٤ - عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -:
عبد اللَّه بن مسعود بن غافل -بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف- ابن حبيب بن شمخ -بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم- ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي، أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وستين منها وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وروى عنه خلق من الصحابة، ومن التابعين: كمسروق والأسود وقيس بن أبي حازم والكبار، تلقن من النبي - ﷺ - سبعين سورة.
قال علقمة: كان يشبه النبي - ﷺ - في هديه ودله وسمته.
وقال أبو نعيم: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة.
ب - دوره في التفسير:
كان عبد اللَّه بن مسعود خادم رسول اللَّه - ﷺ - فكان له من هذه الصلة النبوية خير مثقف
[ ١ / ٢٢٤ ]
ومؤدب؛ لذلك عدوه من أعلم الصحابة بكتاب اللَّه، ومعرفة محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه، حتى قيل عنه: إنه في التفسير أكثر رواية من علي كرم اللَّه وجهه.
وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: " واللَّه الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللَّه إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب اللَّه مني تناله المطايا لأتيته ".
وهذا يدل على إحاطة ابن مسعود بمعاني كتاب اللَّه، وأسباب نزول الآيات، وحرصه على تعرف ما عند غيره من العلم بكتاب اللَّه تعالى.
وقد قام تفسير ابن مسعود على الرأي والاجتهاد والاستنباط؛ لمواءمة البيئة العراقية المتأثرة بثقافة الفرس، فوضع بذلك الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال والثي توارثها أهل العراق في التفسير والفقه.
ويتميز ابن مسعود عن غيره في مجال تفسير القرآن بأنه اعتمد بعض القراءات التي تختلف عن القراءات المتواترة في المصاحف العثمانية، وقد تكون هذه القراءات من الروايات التفسيرية التي وردت على لسانه، وظنها تلامذته من القراءات، كما يمكن أن يقال -أيضًا-: إنها بهذا الاعتبار كانت بداية لنشوء علم تفسير القرآن.
٥ - أبي بن كعب
أبي بن كعب بن قيس بن عبيدة بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر المدني، سيد القراء، كتب الوحي وشهد بدرا وما بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بسبعة، ورُويَ عنه: ابن عَبَّاسٍ وأنس وسهل بن سعد وسويد بن علقمة ومسروق وخلق كثير، وكان ربعة نحيفًا أبيض الرأس واللحية، وقد أمر اللَّه ﷿ نبيه ﵊ أن يقرأ عليه - ﵁ - وكان ممن جمع القرآن وله مناقب جمة رحمه اللَّه تعالى، وتوفي سنة عشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وقَالَ بَعْضُهُمْ: صلى عليه عثمان، ﵁.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ب - دوره في نشأة التفسير:
أبي بن كعب هو ثالث ثلاثة بعد ابن عَبَّاسٍ وابن مسعود كثرت عنهم الرواية، وكان مقدمًا في القراءة؛ لقول رسول اللَّه - ﷺ - فيه: " وأقرؤكم أبي بن كعب ".
وقد عد أبي بن كعب - ﵁ - من العلماء المكثرين في التفسير، وربما مكنه من ذلك معرفته بمعاني كتب اللَّه القديمة؛ إذ كان من العارفين بأسرار هذه الكتب وكونه من كتاب الوحي لرسول اللَّه - ﷺ - وهذا بالضرورة يجعله على مبلغ عظيم من العلم بأسباب النزول ومواضعه، ومقدم القرآن ومؤخره، وناسخه ومنسوخه، ثم لا يعقل بعد ذلك أن تمر عليه آية من القرآن الكريم يشكل معناها دون أن يسأل عنها رسول اللَّه - ﷺ -.
ولقد اتبع أبي في تفسيره منهجًا يتحرى الحيطة والحذر؛ إذ كان يتوقف عند ما ورد في الآيات عن الرسول - ﷺ - مستعينًا بمعرفته مواضع النزول، وأوقاته وأسبابه، وأحوال من نزل فيهم، بالإضافة إلى خبرته بالكتب القديمة ومعرفة أسرارها، ووقوفه على ما ورد فيها من جهة، وقراءته القرآن على الرسول - ﷺ -، وإقراء الرسول - ﷺ - له بعضًا منه تعليمًا وإرشادًا من جهة أخرى، فإذا لم يجد فيما ورد عن الرسول - ﷺ - شيئًا، أو لم تعنه وسائله التفسيرية السابقة، فإن صنيعه يتوجه إلى بيان الدلالات اللغوية للألفاظ القرآنية؛ إذ كانت الثقافة اللغوية هي زاد القوم الذي يستمدون منه ما يعينهم على ذلك.
لقد استطاع أُبي بما أوتي من علم وموهبة تفسيرية أن يجتذب تلاميذ كثيرين، أثر فيهم بمنهجه الشامل، مما أدى إلى نشأة المدرسة المدنية في التفسير والفقه.
ملاحظات حول تفسير الصحابة:
نستطيع الآن أن نورد مجموعة من الملاحظات على تفسير الصحابة تبرز لنا بشكل أكثر
[ ١ / ٢٢٦ ]
وضوحًا الدور الذي قاموا به، وهي كالآتي:
أولًا: اتخذت تفسيرات الصحابة جميعهم شكل الحديث من حيث الرواية والتلقي.
ثانيًا: الصحابة لم يفسروا القرآن الكريم كله، وإنما تناولوا بالتفسير ما كانوا يسألون عنه، أو ما يبدو غريبًا في أذهان بعضهم.
ثالثًا: تفسيراتهم لم تكن تخرج عن تفسير اللفظ بما يوضحه، والاستشهاد له من اللغة، وما يمكن أن يروى حوله من تفسير للرسول - ﷺ - أو مناسبة النزول.
رابعًا: لم يكن بين تفسيراتهم اختلافات كبيرة؛ نظرًا لقربهم من عهد النبوة، كما أنهم لم تتوزعهم الأهواء، وما كان بينهم من اختلافات فهي للتنوع وليس للتضاد.
ومع كل هذا، فقد كان الصحابة الأجلاء، وبخاصة ابن عَبَّاسٍ وابن مسعود وأُبي بن كعب - رضوان اللَّه عليهم - هم أول من أسس علم التفسير بعد رسول اللَّه - ﷺ - بما قدموه من إسهامات فتحت الطريق أمام التابعين من بعدهم ومن تلاهم إلى يوم الناس هذا.
* * *
[ ١ / ٢٢٧ ]