قامت الدولة الصفارية على أنقاض الدولة الطاهرية ويرجع تأسيسها إلى يعقوب بن الليث الصفار (٢٥٤ - ٢٦٥ هـ)، الذي اتخذ من سجستان مركزًا لانطلاقها. وتقع سجستان في أقصى الشرق من إيران وتسمى أيضا " نيمروز " وهي كلمة فارسية تعني " نصف يوم " أي أنها بخيراتها وثرواتها تساوي نصف ما تطلع عليه الشمس، وهذا على سبيل المبالغة لا الحقيقة.
وقد انضم يعقوب إلى أحد قادة المطوعة ويدعى صالح بن النضر في ثورته على والي سجستان إبراهيم القوسي؛ لظلمه واستبداده، فتمكنوا من خلعه والاستيلاء على سجستان سنة ٢٣٧ هـ.
والمطوعة جماعات عسكرية تعمل على حماية سجستان وفارس وكرمان من الفوضى التي تعرضت لها إثر ثورات الخوارج.
لم يكن صالح بن النضر أحسن حالًا من الوالي السابق من قبل الطاهريين، فبغى على الرعية ولم يسر فيهم سيرة العدل التي كانوا يرجونها منه، فشكوه إلى يعقوب وأغروه بأن يتولى عليهم بدلًا منه، فاستجاب لهم واستطاع أن يتخلص من صالح بن النضر، وأخذ يعمل على توطيد ملكه وتدعيم مركزه بالقضاء على المتمردين والمنشقين عليه، فحارب الخوارج الذين رفضوا الدخول في طاعته وقتل كثيرًا منهم حتى كاد أن يفنيهم، وأذاع أنه يحارب الخوارج عن أمر الخليفة العباسي.
ولم يكتف يعقوب بحكم سجستان بل مد نفوذه إلى بوشنج وهراة وما والاها، واحتل نيسابور التي كان يحكمها الطاهريون، وضم إليه بلاد فارس وخراسان، وكرمان، والسند، وطبرستان، والري، وقزوين وأذربيجان وجنديسابور، والأهواز، حتى لقد هدد بغداد نفسها سنة ٢٥٧ هـ، فأسس بذلك ملكًا عريضًا في شرق الدولة الإسلامية.
[ ١ / ٣٤ ]
والحق أن الملكات السياسية والمواهب الشخصية التي اتسم بها يعقوب بن الليث هي التي أتاحت له ما حقق من نجاح كبير في تأسيس دولته الجديدة، فقد امتاز باليقظة وحسن التدبير، والتفكير العميق في عواقب الأمور ونتائجها، والقدرة على اختيار رجاله وإعداد جيوشه الإعداد السليم؛ فلا عجب أن قال عنه المسعودي: " كانت سياسة يعقوب لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها ممن سلف من الملوك من الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف، وحسن انقيادهم لأمره، واستقامتهم على طاعته؛ لما قد شملهم من إحسانه، وغمرهم من بره، وملأ قلوبهم من هيبته ".
لا ريب أن الخلافة العباسية أوجست خيفة من يعقوب بن الليث الصفار، ورأت في اتساع ملكه تهديدًا خطيرًا لنفوذها، وكسرًا للقاعدة التي جرت عليها في تولية حكام الأطراف بناء على تفويض منها، فاعتبرت يعقوب متمردًا، وجمع الخليفة الحجاج القادمين من المشرق من خراسان والري وطبرستان وجرجان سنة ٢٦١ هـ وأعلمهم أنه لم يفوض يعقوب، وأن دخوله خراسان وقضاءه على الطاهريين لم يكن بأمره، ورد يعقوب على ذلك بمزيد من التحدي وقصد إقليم فارس فاستولى عليه سنة ٢٦١ هـ.
وبدأ يعقوب يفكر في الاستيلاء على بغداد فتحرك صوبها سنة ٢٦٢ هـ، مستغلًا انشغال الخلافة العباسية بالقضاء على ثورة الزنج، فرأت الخلافة استمالته وإرضاءه ريثما تفرغ من أمر الزنج، فأبي يعقوب مهادنة العباسيين وقال: إنه لا يرضيه إلا أن يسير إلى باب المعتمد.
والتقت جيوش العباسيين بجيش يعقوب في قرية " اصطر بند " على مقربة من واسط في رجب سنة ٢٦٢ هـ، وكان الخليفة العباسي المعتمد يقود الجيش بنفسه، ومعه أخوه طلحة في القلب.
وانجلى غبار المعركة عن هزيمة منكرة للصفار وجنده، وغنم جند الخليفة معسكره وتراجع يعقوب في فلوله، وتوفي بعد ذلك بقليل في سنة ٢٦٥ هـ.
خلف يعقوب بن الليث أخوه عمرو بن الليث، فبادر إلى استرضاء العباسيين
[ ١ / ٣٥ ]
ومهادنتهم، فوثق به الخلفاء العباسيون حتى عهدوا إليه بولاية شرطة بغداد بالإضافة إلى حكم ولايات خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان، فقوي نفوذه واستقر ملكه.
وقد اتبع عمرو بن الليث نظامًا دقيقًا في مراقبة عماله وقواده، ورتب موارد دولته وعمل على تنميتها وزيادتها.
ولم يقنع عمرو بما استقام له من ملك ونفوذ على كثير من الولايات والممالك، فطمع في بلاد ما وراء النهر التي كانت تحت حكم الدولة السامانية.
والحق أن الخلافة العباسية هي التي أغرت عمرو بحرب السامانيين؛ إذ أرسلت إليه تفويضًا بحكم بلاد ما وراء النهر، وفي الوقت نفسه كتبت إلى الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني سرًّا تدعوه إلى حرب الصفار وتعده بتوليته على ما تحت يديه من بلاد.
ويقول ابن الفقيه موضحًا هذه الخطة: " كتب المعتضد إلى الصفار يأمره أن يطلب إسماعيل بن أحمد، وأنه قد ولاه عمله، وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك ".
وكان أن رفض الأمير إسماعيل الساماني تسليم بلاد ما وراء النهر، وكتب إلى عمرو بن الليث قائلًا: " إنك قد وليت دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيمًا بهذا الثغر ".
وأسفر الصراع بين الجانبين عن هزيمة عمرو بن الليث الصفار ووقوعه في الأسر سنة ٢٨٧ هـ، وعامله الأمير الساماني معاملة كريمة، وخيره بين البقاء عنده أو إرساله إلى الخليفة فاختار السير إلى المعتضد، ولكن الخليفة أمر أن يشهر به ويلقى في السجن ثم قتله سنة ٢٨٩ هـ.
وقد تولى إمارة الدولة الصفارية -بعد عمرو بن الليث- طاهر بن مُحَمَّد بن عمرو بن الليث وكان صغيرًا لاهيًا عابثًا، فغلب عليه السبكري -غلام عمرو بن الليث- فاستبد
[ ١ / ٣٦ ]
بالسلطة دونه، ولم يكن لهذا الأمير الصغير حول ولا طول، بل إن السبكري قبض عليه وعلى أخيه يعقوب، وأرسل بهما إلى بغداد سنة ٢٩٦ هـ، وبذلك خلا له حكم الدولة الصفارية.
ولم تكد الأمور تستقيم للسبكري حتى سار إليه الليث بن علي بن الليث وهزمه وطرده من فارس، وذلك سنة ٢٩٧ هـ، فاستنجد السبكري بالخليفة فسير جيشًا إلى الليث أوقع به الهزيمة، وعاد السبكري إلى ولاية الدولة الصفارية، لكنه تمرد على الخلافة العباسية، ورفض أداء الأموال إليها، فعملت على التخلص منه، فانتزعت منه فارس سنة ٢٩٨ هـ، فلجأ إلى سجستان، فسار إليه الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني، فاستولى على سجستان وقبض على السبكري وعلى مُحَمَّد بن علي بن الليث الصفار وبعث بهما إلى بغداد سنة ٢٩٨ هـ، وبذلك قُضي على الدولة الصفارية قضاء لا قيام لها بعده.
ويسعنا -بعد هذا العرض الموجز- أن نرجع سقوط الدولة الصفارية إلى سببين اثنين:
الأول: جهود الدولة العباسية وحرصها على التخلص منها.
الثاني: الهزائم المتكررة التي ألمت بجيوشها، هذا بالإضافة إلى تمرد قوادها، وما ترتب على ذلك من ضعف للدولة وانهيارها في النهاية.