نشأت ظاهرة الشعوبية كنتيجة طبيعية للصدام السياسي والحضاري بين العرب والموالي، فتعصب العرب لجنسهم واحتقروا الموالي، وتعصب الموالي -الفرس والترك- لأرومتهم، ورأي الفرس أنهم ذوو سابقة في الحضارة والمدنية وأن العرب طارئون على هذه الحضارة.
وغلبت هذه النزعة من العصبية على الدولة العباسية وأذكى نيرانها مساندة العباسيين للموالي وتقديمهم إياهم على العرب.
وبلغت الشعوبية ذروة خطورتها في القرن الثالث الهجري، حيث نشط الفرس في الهجوم على العرب والتفتيش عن مثالبهم، وتجريدهم من كل ميزة وفضيلة، وربما ساعد على ذلك أن الخلفاء العباسيين لم يتعصبوا للعرب كجنس بقدر ما تعصبوا للإسلام كدين يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ولا يرى للعرب فضلًا على سائر الأجناس إلا بالتقوى.
وثمة نزعات ثلاث تألفت ظاهرة الشعوبية من مجموعها:
النزعة الأولى: وتذهب إلى أن العرب خير الأمم؛ لأنهم ظلوا ينعمون بالاستقلال والحرية، بالرغم من أنهم كانوا يتاخمون أكبر دولتين: الفرس والروم، كما أنهم يتمتعون بصفات أخلاقية امتازوا بها عن غيرهم، كالكرم والوفاء والنجدة، بالإضافة إلى أن الإسلام -وهذا هو العامل الأهم- نزل بأرضهم، ورسول اللَّه - ﷺ - منهم، وهم حاملو لواء دعوته إلى الناس، فكل من أسلم ففي عنقه للعرب منَّة لا تقدر.
النزعة الثانية: ترى أن العرب ليسوا بأفضل الأمم، فالأمم كلها متساوية، يؤيد ذلك قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
[ ١ / ٥٦ ]
ويمثل هذه النزعة وينتصر لها العلماء والصالحون من العرب العجم جميعًا.
النزعة الثالثة: يؤمن أصحاب هذه النزعة بأفضلية العجم على العرب، ويفندون الحجج التي ارتكز عليها أصحاب النزعة الأولى في تفضيل العرب، فيقولون: إن الإسلام ليس دينًا عربيًّا أنزله اللَّه لهداية العرب وحدهم، بل هو دين عام للناس أجمعين، ودعوته موجهة لكل الأجناس، وليس للعرب ما يمتازون به عن غيرهم.
وما افتخروا به من سجايا كريمة وشيم نبيلة كالكرم والوفاء والنجدة وغيرها، ليست قصرًا عليهم بل يشاركهم فيها سائر الأمم.
وقد أطلقت الشعوبية على هذه النزعة الأخيرة حتى غدت مرادفة لها، فصنف العجم كتبًا في مثالب العرب ومناقب العجم، بل تجرأ الشعوبيون فوضعوا الأحاديث ونسبوها زورًا للنبي - ﷺ -، إثباتًا لفضيلة العجم.