وهم يجعلون الإمام بعد علي زين العابدين مُحَمَّد الباقر لا زيد بن علي، وأهم فرقهم الاثنا عشرية والإسماعيلية.
والاثنا عشرية هي الفرقة التي تقول باثنى عشر إمامًا، هم: علي المرتضى، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلي زين العابدين السجاد، ومُحَمَّد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومُحَمَّد النقي، وعلي التقي، والحسن العسكري الزكي، ومُحَمَّد المهدي الذي اختبأ واختفى سنة ٢٦٠ هـ وما يزال مستورًا حتى يظهر في آخر الزمان؛ ليملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
[ ١ / ١١٦ ]
أما الإسماعيلية فساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل، وإليه تنسب هذه الفرقة.
وافترقت الإسماعيلية فرقتين:
- فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.
- وفرقة قال: كان الإمام بعد جعفر سبطه مُحَمَّد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفرًا نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه مُحَمَّد بن إسماعيل.
وقد نشأ ذلك المذهب بالعراق كغيره من مذاهب الشيعة، واضطهد كما اضطهد غيره، وقد فر المعتنقون له بتأثير الاضطهاد إلى فارس وخراسان، وما وراء ذلك من الأقاليم الإسلامية كالهند والتركستان، وهناك خالط مذهبهم بعض آراء من عقائد الفرس القديمة، والأفكار الهندية، وتحت تأثير ذلك انحرف كثيرون منهم فقام فيهم ذوو أهواء؛ ولذلك حمل اسم الإسماعيلية طوائف كثيرة، بعضهم لم يخرجوا عن دائرة الإسلام، وبعضهم انحرفوا بما انتحلوا من نحل لا يتفق ما اشتملت عليه مع المقرر الثابت من الأحكام الإسلامية، وقد سموا الباطنية أو الباطنيين؛ وذلك لاتجاههم إلى الاستخفاء عن الناس، الذي كان وليد الاضطهاد أولًا، ثم صار حالة نفسية عند طوائف منهم.
ومن الآراء الشاذة التي قال بها الإسماعيلية الباطنية:
- زعمهم أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبًا للزعامة بدعوة النبوة والإمامة.
- تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلًا يورث تضليلًا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق.
وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل.
[ ١ / ١١٧ ]
كما زعموا أن تكاليف الدِّين وشعائره ليست إلا للعامة ولا يلزم الخاصة أن يعملوا بها.
ويقول البغدادي موضحًا خطر الباطنية: " اعلموا -أسعدكم اللَّه- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدِّين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر.
الكيسانية والراوندية:
سميت الكيسانية بذلك نسبة إلى كيسان رئيس جند المختار ابن عبيد اللَّه الثقفي الذي خرج ودعا إلى مُحَمَّد بن الحنفية.
ْومنهم من يزعم أن مُحَمَّد بن الحنفية لا يزال حيًّا بجبال رضوى.
ومنهم من قال: إن الإمام بعد ابن الحنفية ابنه عبد اللَّه بن مُحَمَّد أبو هاشم الذي أوصى لمُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بالإمامة، ومن ثم انتقلت الإمامة من أبناء علي إلى أبناء العباس.
ومن الكيسانية نشأت الراوندية، حيث أوصى مُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس إلى ابنه إبراهيم، وإبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس السفاح مؤسس الدولة العباسية.
والراوندية فرقة تشيعت للعباسيين ولم تكتف بمدح العباس بل أنكروا على أبي بكر وعثمان أن تقلدوا الخلافة مع وجود العباس، وأنه ما كان يجوز لأحد أن يتولاها إلا العباس وعلي؛ لأن العباس أذن له فيها.
بل ذهبوا إلى أبعد من هذا حينما قَالَ بَعْضُهُمْ بالتناسخ، أي: حلول روح آدم في زعيم لهم، وروح جبريل في آخر.
[ ١ / ١١٨ ]