إن مسألة الجبر والاختيار مسألة هامة من مسائل علم الكلام الإسلامي، وركن أصيل من أركان الفكر الاعتزالي؛ وتدور هذه المسألة حول العلاقة بين قدرة اللَّه تعالى وأعمال العباد، من حيث إن هذه الأعمال مخلوقة لله تعالى أو مخلوقة للعبد.
فقد فرق المعتزلة بين نوعين من أفعال العباد أحدهما ضروري اضطراري، والثاني: اختياري، وحكموا بأن أفعال النوع الأول ليس للإنسان فيها اختيار.
أما أفعال النوع الثاني فالإنسان فيها فاعل مختار، " ومن ثم قالوا: إن الأفعال الاضطرارية مخلوقة لله تعالى، ولا دخل لقدرة العبد فيها، وأما الأفعال الاختيارية فقد ذهبوا فيها إلى أنها واقعة بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال، وهذه القدرة أوجدها اللَّه تعالى في العبد باختياره ".
وقد رأى المعتزلة في قولهم بحرية الإنسان في أفعاله انسجامًا مع العدل الإلهي؛ إذ مما
[ ١ / ١٣٨ ]
يتعارض مع هذا العدل أن يحاسب اللَّه الإنسان على أفعال ليست من إرادته أو اختياره.
كما يترتب على عدم القول بذلك بطلان التكليف والأوامر والنواهي؛ لأن الاختيار مناطها، كما يبطل الثواب والعقاب؛ لأنه لا معنى لأن يعاقب المرء أو يثاب على غير فعله، وتنتفي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
وثمة دليل آخر احتج به المعتزلة على حرية الإنسان وإرادته، خلاصته: أن اللَّه تعالى لو كان هو الفاعل المريد لأفعال العباد، لنسب إليه ﷿ ما يقع على أيديهم من المعاصي والشرور والقبائح، وهو أمر لا يصح أن يوصف اللَّه به.
واستدل المعتزلة لصحة ما ذهبوا إليه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تثبت للإنسان إرادة حرة واختيارًا مقصودًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وكقوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا).
على هذا النحو كان رأي المعتزلة في حرية الإنسان، ورأوا أن القول به يجعل التكليف مستساغًا والثواب مقبولًا والعقاب عادلًا وينزه اللَّه تعالى عن الشرور والآثام التي تجري على يد الإنسان.