تنسب هذه الفرقة إلى زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان زيد قد خرج على هشام بن عبد الملك بالكوفة فقتل وصلب، ويقول المسعودي في سبب خروجه:
كان زيد دخل على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير موضعًا يجلس فيه فجلس حيث انتهى به المجلس، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى اللَّه ولا يصغر دون تقوى اللَّه، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك جوابًا إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت سكت عنه، فقال هشام: بل أجب قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن يبعثه اللَّه نبيًّا، وجعله اللَّه للعرب أبًا، فأخرج من صلبه خير البشر محمدًا - ﷺ - فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول:
شرده الخوف وأزرى به كذاك من يكره حر الجلاد
منخرق الكمين يشكو الجوى تنكثه أطراف مرو حداد
[ ١ / ١١٥ ]
قد كان في الموت له راحة والموت حتم في رقاب العباد
إن يحدث اللَّه له دولة يترك آثار العدا كالرماد
فمضى إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فلما قامت الحرب انهزم عنه أصحابه، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتل بهم أشد قتال وهو يقول متمثلًا:
أذل الحياة وعز الممات وكلا أراه طعامًا وبيلًا
فإن كان لابد من واحد فسيري إلى الموت سيرًا جميلًا
وانتهى الأمر بقتله.
والحق أن الزيدية أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية وأكثرها اعتدالًا؛ فهي لم ترفع الأئمة إلى مرتبة النبوة، بل لم ترفعهم إلى مرتبة تقاربها بل اعتبروهم كسائر الناس، ولكنهم أفضل الناس بعد رسول اللَّه - ﷺ -.
والزيدية لا يؤمنون بأن الإمام الذي أوصى به النبي - ﷺ - قد عينه بالاسم والشخص، بل عرفه بالوصف، وأن الأوصاف التي عرفت تجعل الإمام عليًّا - ﵁ - هو الإمام من بعده؛ لأن هذه الأوصاف لم تتحقق في أحد بمقدار تحققها فيه. وهذه الأوصاف توجب أن يكون هاشميا ورعا تقيا، عالمًا سخيا، يخرج داعيًا لنفسه، ومن بعد علي يشترط أن يكون فاطميًّا أي من ذرية السيدة فاطمة ﵂.