وعُني المسلمون منذ مطلع القرن الثالث الهجري بتدوين العلوم وجمع مسائلها وترتيب أبوابها، واتسعت دائرة اهتمامهم العلمي لتشمل إلى جانب العلوم الدِّينية العلوم العقلية، وفيما يلي نعرض بإيجاز لأبرز هذه العلوم:
١ - علم القراءات:
القراءات: جمع قراءة، وهي في اللغة: مصدر سماعي لقرأ، وفي الاصطلاح: مذهب
[ ١ / ٥٩ ]
يذهب إلى إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئتها.
ونستطيع أن نقول: إن الدافع وراء اهتمام المسلمين بهذا العلم والتصنيف فيه خشية جماعة القراء من أن تتأثر قراءة القرآن باللكنة الأعجمية لا سيما بعد دخول الفرس في الإسلام أفواجًا، ومن ثم اهتم هَؤُلَاءِ بضبط القراءات القرآنية وجعلوها علمًا كسائر العلوم.
وبرز في علم القراءات رجال كثيرون، من أشهرهم:
١ - عبد اللَّه بن عامر بدمشق، توفي ١١٨ هـ.
٢ - عبد اللَّه بن كثير بمكة (توفي: ١٢٠ هـ).
٣ - أبو بكر عاصم بن أبي النجود بالكوفة، توفي ١٢٨ هـ.
٤ - حمزة بن حبيب الزيات بالكوفة، توفي ١٥٦ هـ.
٥ - أبو عمر بن العلاء المازني بالبصرة (توفي: ١٦٤ هـ).
٦ - نافع بن أبي نافع بالمدينة (ت: ١٦٧ هـ)، وأخذ عنه أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش (توفي ١٩٧ هـ)، وهو الذي يقرأ له أهل المغرب.
٧ - أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي بالكوفة، توفي ١٨٩ هـ.
وهَؤُلَاءِ هم المعروفون بالقراء السبعة الذين فاقوا غيرهم في الإتقان والضبط، ويليهم في الشهرة:
٨ - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، توفي ١٣٠ هـ.
٩ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي، توفي ٢٠٥ هـ.
١٠ - خلف بن هشام البزار توفي ٢٢٩ هـ.
وقراءات ما عدا هَؤُلَاءِ العشرة قراءات شاذة.
والحق أن أول من تتبع وجوه القراءات، وتقصى أنواع الشاذ منها، وبحث أسانيدها وميز فيها الصحيح من الموضوع هارون بن موسى القاري، (ت: ١٧٩ هـ). أما أول من صنف في القراءات فهو أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٤٤ هـ).
وخليق بنا أن نسجل في هذا المقام الملاحظة التالية، وهي أن أكثر القراء وأشهرهم وأبرز من دونوا في علم القراءات قد ظهروا في العصر العباسي، وفي الفترة التاريخية التي
[ ١ / ٦٠ ]
نحن بصددها تحديدًا، عصر الماتريدي.
ولا ريب أن تدوين القراءات وتأصيل مسائلها عاملٌ مهم أورث حركة التشريع الإسلامي شيئًا غير قليل من القوة والازدهار.
٢ - علم التفسير:
سيأتي بمشيئة اللَّه تعالى الكلام عن بيان مفهوم علم التفسير عند الحديث عن التفسير ومناهج المفسرين وكذلك سيأتي الحديث عن نشأة علم التفسير وتطوره، إلا أننا نقول هاهنا في عجالة سريعة إن علم التفسير نشأ في أول أمره فرعًا من فروع الحديث، حيث كان النبي - ﷺ - يفسر القرآن لأصحابه ويبين لهم معانيه الخافية عنهم، ثم عني الصحابة من بعده بتفسير القرآن، وأُثِرَتْ عنهم آراء كثيرة في التفسير وأقوال كانت أساسًا صالحًا قامت عليه المدارس التفسيرية فيما بعد.
وقد تطور علم التفسير في عصر التابعين، فجاءت طبقة جمعت الأقوال التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين، شأنهم في ذلك شأن المحدثين، كما رحل بعض العلماء لجمع روايات التفسير من الأمصار المختلفة.
ولم يلبث علم التفسير أن انفصل عن علم الحديث، في العصر العباسي، وقام المفسرون بترتيب الروايات التفسيرية وفق ترتيب السور والآيات، ويذكر ابن النديم: أن عمر بن بكير كان من أصحاب الفراء صاحب كتاب " معاني القرآن " المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه، فقام الفراء بذلك فوضع كتابًا في التفسير.
ثم وضع ابن جرير الطبري بعد ذلك تفسيرًا، عمادُه الروايات التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين، بيد أنه أضاف إلى تفسيره شيئًا من التفسير بالرأي.
فمنذ ذلك التاريخ غدا القرآن الكريم معينًا خصبًا لكثير من العلوم، فعلماء النحو اعتمدوا عليه في استنباط القواعد النحوية، وألفوا كتبًا في إعراب المشكل من آياته، وعني أهل اللغة بتفسير مفرداته وشرح معانيه، كما عَوَّل عليه الفقهاء في بناء آرائهم وتأسيس مذاهبهم الفقهية، وصنفت كتب في تفسير آيات الأحكام، وأخذ العلماء يفسرون القرآن،
[ ١ / ٦١ ]
كل بما يتفق مع رأيه، حتى علماء الكلام أَوَّلُوا بعض الصفات بما يتفق مع آرائهم.
٣ - الحديث وعلومه:
علم الحديث هو علم يشتمل على أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها.
ولم يدون الحديث النبوي الشريف تدوينًا منظمًا إلا منذ مطلع القرن الثاني الهجري وقبل هذا التاريخ كان الصحابة يكتبون منه ما استقامت لهم سبل الكتابة وتيسرت أسبابها، غير أن تدوينهم كان تدوينًا خلا من النظام والترتيب.
ومن أشهر من كتب الحديث عن رسول اللَّه - ﷺ - عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، حتى قال فيه أبو هريرة: " ما من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - أحد أكثر مني حديثًا إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب ".
ثم رأى عمر بن عبد العزيز - ﵁ - أن يجمع حديث رسول اللَّه - ﷺ - جمعًا منظمًا ويدونه تدوينًا مستوعبًا، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر مُحَمَّد بن عمرو بن حزم: " أن انظر ما كان من حديث رسول اللَّه - ﷺ - وسننه فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ".
ومنذ ذلك التاريخ بدأت عناية المسلمين بتدوين الحديث تقوى وتشتد، وبرز في ميدان جمع الأحاديث أسماء كثيرة نذكرها بكل إجلال وتقدير، وتوزع هَؤُلَاءِ على الأمصار الإسلامية المختلفة:
ففي مكة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة ١٥٠ هـ.
وفي المدينة مُحَمَّد بن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ، ومالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩ هـ.
وبالبصرة الربيع بن صبيح المتوفى سنة ١٦٠ هـ وحماد بن سلمة المتوفى سنة ١٧٦ هـ.
وفي الكوفة سفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ.
وفي الشام الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٧ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
وفي اليمن معمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٣ هـ.
وفي خراسان عبد اللَّه بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ هـ.
وبمصر الليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ هـ.
وكانت طريقتهم في التدوين تعتمد على وحدة الموضوع في أبواب منفصلة يحتوي كل باب على الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد، فجمعت أحاديث الصلاة في باب، والزكاة في باب آخر، وهكذا.
ومن أشهر هذه المصنفات موطأ الإمام مالك.
ثم جاءت طبقة أخرى من علماء الحديث انتهجت نهجًا آخر، فكتبت السنة على طريقة المسانيد، وأساسها وحدة الراوي وإن اختلف الموضوع، ومن أشهر المسانيد مسند الإمام أحمد.
وفي القرن الثالث الهجري جاءت طبقة أخرى، وجدت أمامها ثروة عظيمة من الأحاديث، فاتبعت أسلوب الانتقاء والاختيار، فألفت ما عرف بالصحاح، وأفردت الحديث عن غيره من فتاوى الصحابة وأقوالهم، وفي طليعة كتب الصحاح: صحيح البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، وصحيح مسلم المتوفي سنة ٢٦١ هـ، وحذا حذو البخاري ومسلم الإمام أبو داود المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، وأبو عيسى الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ هـ، وابن ماجه المتوفى سنة ٣٠٣ هـ وغيرهم.
ووجد بجانب المحدثين فريق من العلماء توفروا على نقد رواة الحديث، وجرح بعضهم وتعديل البعض الآخر، وعرفوا بعلماء الجرح والتعديل.
قال الذهبي: أول من زكى وجرح من التابعين -وإن كان قد وقع ذلك قبلهم- الشعبي وابن سيرين؛ حفظ عنهما توثيق أناس وتضعيف آخرين.
وذلك لأن الصحابة كانوا عدولا، وكبار التابعين الآخذين عنهم كانوا ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب.
فلما مضى القرن الأول، وجاء القرن الثاني، كان من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين كان ضعفهم من قبل تحملهم وضبطهم، فتراهم يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيرا، ولهم غلط كأبي هارون العبدي.
[ ١ / ٦٣ ]
فلما كان آخر عصر التابعين -وهو حدود الخمسين ومائة- تكلم في التوثيق والتضعيف أئمة.
وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم أحمد وابن معين.
قال السيوطي: يعني أنه أول من تصدى لذلك، وإلا فقد سبقهم من الصحابة والتابعين من علمت.
وألف في الجرح والتعديل أئمة في الحديث.
منهم من ألف في الضعاف كالبخاري والنسائي والعقيلي والدارقطني وغيرهم.
ومنهم من ألف في الثقات كابن حبان.
ومنهم من ألف فيهما كالبخاري وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم.
ومن أشهر علماء الجرح والتعديل: يَحْيَى بن سعيد القطان المتوفى سنة ١٨٩ هـ، وعبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة ١٩٨ هـ، ويحيى بن معين المتوفى سنة ٢٣٣ هـ، وأحمد بن حنبل المتوفى ٢٤١ هـ.
٤ - علم الفقه:
علم الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
ظهرت فكرة كتابة بعض الأحكام الفقهية منذ عصر النبي - ﷺ - وعصر الخلافة الراشدة، غير أننا لا نستطيع أن نقول: إن علم الفقه ظهر في هذه المرحلة من تاريخ الإسلام؛ لأن هذه الكتابات -وإن سلمنا بوجودها- لا تمثل ظاهرة عامة جديرة بأن تؤسس علما مهما كعلم الفقه؛ له أصوله وقواعده، وغاية الأمر أن هذه الكتابات دليل على أن مسائل علم الفقه شغلت المسلمين منذ طور مبكر، وأنها كذلك إرهاص مؤذن لنشأة علم الفقه في مرحلة تالية، وإن كانت هي بذاتها لا تمثل علما ولا ترقى إلى رتبته، كما نفهم نحن مصطلح العلم من ضرورة أن يتاح له منهج في الدرس ومادة مجموعة ومسائل مرتبة وعلماء يتوفرون عليه.
إن فكرة التدوين الفقهي المنظم وليدة القرن الثاني الهجري، حيث تدلنا المصادر
[ ١ / ٦٤ ]
التاريخية على أن فقهاء المدينة قاموا بجمع فتاوى ابن عمر وعائشة وابن عَبَّاسٍ ومن بعدهم من كبار التابعين الذين ظهروا بالمدينة.
وكذلك جمع فقهاء العراق فتاوى عبد اللَّه بن مسعود، وقضايا علي بن أبي طالب وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة.
وقد وضعت بعض المؤلفات الفقهية في هذا العصر، فقد ألف أبو حنيفة (الفقه الأكبر) وإبراهيم النخعي (فتاوى الشيوخ وآراؤهم)، وغيرهما.
وكانت هذه المؤلفات تجمع بين الفقه والحديث.
وهناك من ألف من الفقه مجردًا عن الحديث: كمُحَمَّد بن الحسن في كتبه الستة التي جمع فيها مسائل الأصول في مذهب إمامه أبي حنيفة وهي: المبسوط، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والزيادات، والسير الصغير، والسير الكبير، ومثل: المدونة التي رواها سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك.
وبجانب هذين النوعين من التدوين وجد تدوين المسائل الفقهيهة مصحوبًا بأدلتها من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، مثل كتاب الأم الذي رواه الربيع عن الإمام الشافعي.
واستمر الفقه في التطور والازدهار حتى أصبح علمًا قائمًا على سوقه.
٥ - علم أصول الفقه:
لم يكن استنباط الأحكام في زمن رسول اللَّه - ﷺ - وصدر الإسلام بحاجة إلى أكثر من الرجوع إلى النبي - ﷺ - في حيانه وإلى أصحابه بعد مماته، ولكن لما بعدت الشقة بين الناس والعهد النبوي احتاج المسلمون إلى وضع العلوم وتأسيس مناهجها، ومن هذه العلوم أصول الففه.
وقد أخذ الإمام الشافعي على عاتقه مهمة جمع قواعد علم أصول الفقه المبثوثة في بطون الكتب، والموجودة في سنة النبي وآثار الصحابة، ومن قبل ذلك وبعده من القرآن الكريم.
والسبب الذي دفع الشافعي إلى كتابة علم أصول الفقه هو ما ذكره ابن خلدون حينما
[ ١ / ٦٥ ]
قال: " لما وجد -أي الشافعي- الخلاف والنزاع مستمرًا بين فقهاء الحجاز وفقهاء العراق، أو بين أهل الحديث وأهل الرأي، ووجد أن أهل الرأي على جانب من قوة البحث والنظر، وأنهم أصحاب حجاج ولسن، وأهل جدال وشغب، وأنهم قد أسرفوا في الطعن على أهل الحديث وأئمتهم، والحط من قدرهم وقيمتهم، والرد على رأيهم ومذهبهم، ووجد كذلك أن جمهرة المحدثين، وبخاصة من كان موجودًا في العراق منهم على شيء غير يسير من الخمول والكسل، وضعف البحث والنظر، وفساد الاستدلال والجدل، وأنهم غير قادرين -القدرة التامة- على الانتصار لمذاهبهم والدفاع عن آرائهم، والرد على خصومهم، والصمود في وجوههم؛ بسبب عدم الإدراك الصحيح لمباحث أصول الفقه، وسوء التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما إلى ذلك من المباحث.
لما وجد الأمر كذلك وأدرك حقيقة ما هنالك. . وضع مؤلفا جامعًا في أصول الفقه، يعين على فهم حقائقه، وإدراك دقائقه، ويكون القدرة على الاستدلال بأدلة الشرع، وبيان كيفية إثباتها ".
وقد تتابع العلماء بعد الشافعي في تدوين مسائل هذا العلم، من هَؤُلَاءِ الإمام أحمد بن حنبل الذي ألف كتاب " الناسخ والمنسوخ ".
٦ - تدوين علم النحو واللغة:
كان لاتساع الفتوحات الإسلامية، ودخول الكثير من العجم في الإسلام، واختلاطهم بالعرب - الأثر البالغ على الملكة اللسانية العربية، فبدأ اللحن يتسرب إلى اللسان العربي، فخاف العلماء أن يتعرض القرآن الكريم للتحريف أو ينغلق فهمه على الناس، ومن ثم بادروا إلى وضع القواعد الضابطة للسان العربي من الانحراف وهو ما اصطلح على تسميته بـ " علم النحو ".
وقيل: إن أبا الأسود الدؤلي هو أول من اشتغل بعلم النحو.
وقيل: إنه تعلم أصوله عن الإمام علي، وأن سبب التفكير في وضعه هو تسرب اللحن إلى القرآن الكريم، ومن ثم، وضع علم النحو.
وكانت مدرسة البصرة هي أولَى المدارس النحوية نشأة وأسبقها ظهورًا، تلتها مدرسة
[ ١ / ٦٦ ]
الكوفة، وقد ألف تلاميذ المدرستين تآليف كثيرة، وتتابع الناس يكتبون في هذا العلم؛ حتى انتهى الأمر إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد، فهذب الصناعة، وكمل أبوابها، وأخذ عنه سيبويه، فكمل تفاريعها، واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور.
وممن كتب في هذا الفن: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء، وجميع من ذكرت من علماء البصرة، ومن أشهر علماء الكوفة الذين كتبوا في هذا الفن: الكسائي والفراء.
وكما تسرب اللحن إلى تركيب الجملة تسرب أيضًا إلى الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضعه، ومن ثم وجدت الحاجة إلى معاجم تحفظ المفردات اللغوية، حتى لا تندرس، فيترتب على ذلك جهل بالقرآن والحديث.
ولذلك شمر علماء اللغة عن سواعدهم، وبدءوا يجمعون الكلمات العربية، ويحددون معانيها، فرحلوا إلى البادية واستقوا اللغة من منابعها الأولى، كما أخذوا عن عرب البدو الذين وفدوا إلى الحضر، وكان من أهم مصادرهم: القرآن الكريم، والشعر العربي الجاهلي والإسلامي الموثوق به.
وقد تم جمع اللغة على مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: جمع المفردات كيفما اتفق.
المرحلة الثانية: جُمعت فيها الكلمات المتقاربة نوعًا من التقارب، أو ما لها موضع واحد.
المرحلة الثالثة: جمع المعاجم، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري حين وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي منهج كتاب العين الذي حصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف عليه، واعتمد فيه على ترتيب المخارج، فبدأ بحروف الحلق ثم ما بعده حتى وصل إلى الحروف الشفوية، وجعل أحرُف العلة آخرًا، وبدأ من حروف الحلق بالعين؛ ولذلك سمى كتابه بـ " العين ".
[ ١ / ٦٧ ]
وفي القرن الثالث الهجري انتشرت المعاجم الواسعة التي سار فيها أصحابها على طريقة الخليل بن أحمد من حيث ترتيب حروف المعجم على المخارج الصوتية والابتداء بحروف الحلق، ثم انتشرت المعاجم بعد ذلك في القرون التالية مصطنعة مناهج جديدة أكثر تيسيرًا، وموجود بين أيدينا الكثير منها الآن.
٧ - الأدب:
تطور الأدب كثيرًا في العصر العباسي، وبخاصة الشعر؛ حيث وجد شعراء مجددون في معاني القصيدة وديباجتها كأبي تمام؛ مما أدى إلى وجود نهضة أدبية وشعرية يمكن أن يقال عنها: إنها فاقت العصور السابقة.
ولم ينل الأدب العناية في جمعه وتأليفه مثلما نالت اللغة، فقد كان جمع الأدب والشعر في العصور الإسلامية الأولى قائما على الانتقاء والاختيار لا الاستقصاء والشمولية؛ ولعل السبب في ذلك أنه لا يستطيع فرد أو أفراد أن يقوموا بذلك.
وقد دون عدد من الكتب في الأدب ونقده في العصر العباسي؛ ككتابي أدب الكاتب، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي، وتعتبر هذه الكتب أركانًا في الأدب وعلومه.
٨ - التاريخ والجغرافيا:
كان الاعتماد في التاريخ -في بادئ الأمر- على السماع، فكان العرب يتناقلون أخبارهم وسير أجدادهم شفويًّا، ولكن لما جاء القرن الثاني الهجري أخذ البحث في التاريخ وتدوينه يأخذ جانبًا من اهتمام العلماء، وانصرف اهتمام المؤرخين في أول الأمر إلى السيرة النبوية، فكتب ابن إسحاق سيرة الرسول - ﷺ - وكان ذلك في منتصف القرن الثاني الهجري، وفي أواخر هذا القرن وضع هشام بن مُحَمَّد الكلبي والواقدي كثيرًا من المصنفات والرسائل التاريخية شملت العصور المختلفة، ثم جاء ابن هشام أواخر هذا القرن وبداية القرن الثالث فكتب سيرته الشهيرة المتناقلة بين الناس.
وفي القرن الثالث تطور التاريخ تطورًا كبيرًا، فوجدت المصنفات الكبيرة، واتسعت
[ ١ / ٦٨ ]
مادته باتساع حوادث الدولة الإسلامية، فوجدت مؤلفات في الحوادث، ومؤلفات في الأنساب، ومؤلفات في تاريخ الأمم والملوك، ومؤلفات في تاريخ الأديان: كاليهودية، والنصرانية، ومؤلفات في التراجم.
ومن أشهر المؤلفات في القرن الثالث: كتاب الطبقات الكبرى لمُحَمَّد بن سعد المتوفي سنة ٢٣٠ هـ، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة المتوفي سنة ٢٧٦ هـ، وكتاب فتوح البلدان للبلازدي المتوفي سنة ٢٧٩ هـ، وكتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدِّينوري المتوفي سنة ٢٨٢ هـ، وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري المتوفي سنة ٣١٠ هـ.
ومعنى هذا أن القرن الثالث الهجري شهد نهضة في علم التاريخ لم تشهدها القرون السابقة وربما القرون اللاحقة؛ حيث الاعتماد على هذه المصنفات والمؤلفات في الغالب الأعم.
أما في مجال الجغرافيا فقد بدأ التدوين فيه متأخرًا عن التاريخ، ويعتبر أبو القاسم عبيد اللَّه بن خرداذبة الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وهو فارسي الأصل - يعتبر من أقدم علماء الجغرافيا، وقد ألف كتاب: المسالك والممالك. ثم تلاه اليعقوبي المتوفي سنة ٢٨٢ هـ، وألف في ذلك كتاب: البلدان.
٩ - علم الطب:
كان لاختلاط العرب بالعجم أثر في تنمية المعارف، وبخاصة بعد عملية الترجمة التي ازدهرت في عصر الخليفة المأمون، ومن العلوم التي نقلها المسلمون عن الأمم الأخرى بفضل حركة الترجمة، علم الطب، فنبغ عدد غير قليل من الأطباء في عصر الرشيد، والمأمون، والمعتصم، وبخاصة عصر الواثق، وكانت مهنة الطلب يزاولها في بداية الأمر غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم، فاشتهر عصر الرشيد بختيشوع المتوفى سنة ٢٤٤ هـ، وفي عهد المعتصم يحيى بن ماسويه المتوفى سنة ٢٤٢ هـ.
وفي عهد الواثق بدأ التأليف الفعلي لعلم الطب، فقد طلب من حنين بن إسحاق المتوفي سنة ٢٧٠ هـ وضع كتاب في الطب، فألف كتابًا ذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء وغيرها من المسائل الطبية. ثم بدأت المصنفات تترى بعد ذلك، وبنيت المستشفيات في بغداد وغيرها.
[ ١ / ٦٩ ]