ولي الخلافة عثمان بن عفان بعد مقتل عمر بن الخطاب - رضوان اللَّه عليهما - بعد أن أعطى المواثيق والعهود بالنصح للأمة، والالتزام بسنة الرسول - ﷺ - وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر.
ورضي المسلمون على خلافة عثمان في ست السنين الأولى، ثم نقموا منه أمورًا رأوا أنه خالف فيها عن سيرة الشيخين وانحرف عن سنة النبي الكريم.
واستحال الإنكار الهادئ والاعتراض الناصح سخطًا عارمًا عم الأمصار المختلفة، وثورة عنيفة عمد المنخرطون فيها إلى خلع الخليفة عثمان ﵁.
وأفضت الثورة المسلحة إلى مقتل عثمان - ﵁ -، بعد أن حوصر في داره أربعين يومًا منع خلالها من إمامة المسلمين في الصلاة.
وقد فتح مقتل عثمان على المسلمين باب الفتنة واسعًا، وأذكى نيران الخلاف بينهم من جديد، وأورث القلوب والضمائر ضغنًا وسوء ظن كان خليقًا بأن يعصف بالوحدة الإسلامية ويقوض أركانها في هذا الطور الباكر.
ولم يستطع علي بن أبي، طالب -الذي بويع بالخلافة من أغلبية المسلمين- أن يرأب صدع الخلاف وينتاش المسلمين من هوة الفتنة السحيقة التي تردوا فيها.
[ ١ / ١٠١ ]
وكان من أشد المعارضين لعلي طلحة بن عبيد اللَّه والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان؛ إذ رأوا أنه قعد عن نصرة عثمان، وكان في استطاعته رد الناس عنه، وكان من حجة بعضهم أنه -وقد بويع- يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان، ويقول كل من طلحة والزبير: إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان؛ لأنه من الستة الذين انتخبهم عمر للشورى، ومن السابقين للإسلام، ويقول معاوية: إنه أولى الناس رحمًا بعثمان، وأقوى أهل بيته على المطالبة بدمه.
يقول أبو الحسن الأشعري: " ثم بويع علي بن أبي طالب - رضوان اللَّه عليه - فاختلف الناس في أمره، فمن بين منكر لإمامته، ومن بين قاعد عنه، ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم ".
وأما طلحة والزبير فقُتلا يوم الجمل، وبقي معاوية وحده حاملًا لواء المعارضة لخلافة علي بن أبي طالب، مستعصمًا بالشام مطمئنًا إلى إخلاص أهله وصدق ولائهم.
لم يجد علي بن أبي طالب مفرًّا من قتال معاوية بن أبي سفيان للقضاء على خطره ورد المسلمين إلى ما كانوا عليه من وحدة وتماسك، فقاتله في صفين وكاد النصر يتم له لولا أن عمد معاوية إلى خدعة التحكيم، " فقال لعمرو بن العاص: ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت؟ قال: بلى، قال: فما المخرج؟ قال له عمرو بن العاص: فلي عليك ألا تخرج مصر من يدي ما بقيت؟ قال: لك ذلك، ولك به عهد الله وميثاقه، قال: مر بالمصاحف فترفع، ثم يقول أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق كتاب اللَّه بيننا وبينكم، البقية البقية، فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه، وإن خالفك خالفه أصحابه "، وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص، ففعلوا ذلك، فاضطرب أهل العراق على عليٍّ - رضوان اللَّه عليه - وأبوا عليه
[ ١ / ١٠٢ ]
إلا التحكيم، وأن يبعث عليٌّ حكمًا ويبعث معاوية حكمًا، فأجابهم عليٌّ إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه ألا يجيبهم إليه، فلما أجاب عليٌّ إلى ذلك بعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكمًا، وبعث علي وأهل العراق أبا موسى حكمًا، وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، ومن هاهنا بدأ أمر الخلاف بين المسلمين يزداد تشعبا، وبدأت الفرق المختلفة في الظهور، كالتالي: