شيوخه وتلاميذه وأقرانه
أولًا: شيوخه:
إن المصادر التي تحدثت عن هذا الإمام في تلقيه للعلوم والمعارف إنما تحدثت عن الصلة القوية بمدرسة الرأي، تلك المدرسة التي تتصل حلقاتها وتأثرها بالإمام المبجل أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي المولود سنة ثمانين في حياة بعض الصحابة، تلقى علومه على عطاء بن أبي رباح والشعبي والأعرج وابن دينار وخلق كثير، قال فيه الإمام الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم، وتوفي شهيدًا سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة.
ولقد تتلمذ الشيخ أبو منصور الماتريدي على يد علماء كبار، ذكرت منهم كتب التراجم أربعة علماء يحتلون مكانة بارزة بين أعلام الفقه الحنفي وبين علماء زمانهم وهم:
١ - أبو نصر العياضي:
أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن يَحْيَى ابن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الفقيه السمرقندي.
قال في الجواهر المضيَّة عن أبي منصور الماتريدي: تخرج بأبي نصر العياضي، وأبو نصر العياضي ينتسب إلى الأنصار الذين ينتسب إليهم الماتريدي، وهو من أهل العلم والجهاد، لم يكن يضاهيه لعلمه وورعه وجلادته وشهامته أحد، استشهد وخَلَّفَ أربعين رجلًا من أصحابه كانوا من أقران الماتريدي، وله ولدان فقيهان فاضلان: أبو بكر مُحَمَّد، وأبو أحمد.
[ ١ / ٨٠ ]
وذكره أبو المعين النسفي بـ في كتابه " التبصرة " قائلًا: كان أبو نصر العياضي يحرص أشد الحرص على جهاد أعداء اللَّه الكفرة، وكان من أشجع أهل زمانه وأربطهم جأشًا وأشدهم شكيمة، وكان في العلم بحرًا لا يدرك قعره، أما في الفروع والأصول فلا يدانيه غيره، ومن نظر في كتابه المصنف، في مسألة الصفات، وما أتى فيه من الدلائل على صحة قول أهل الحق وبطلان قول المعتزلة عرف تبحره في ذلك.
وقال أبو القاسم الحكيم السمرقندي: ما أتى الفقيه أبا نصر العياضي أحد من أهل البدع والأهواء، وأولى الجدال والمراء في الدِّين بآية من القرآن يحتج بها عليه لمذهبه - إلا تلقاها أبونصر العياضي مبتدئًا بما يفحمه ويقطعه.
وقد تفقه أبو نصر العياضي على الإمام أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، تلميذ سليمان بن موسى الجوزجاني، وتفقه عليه جماعة منهم ولداه.
٢ - أبو بكر أحمد الجوزجاني:
الجوزجاني من رجال القرن الثالث الهجري، روى عنه أبو منصور الماتريدي، وقد تتلمذ أبو بكر أحمد الجوزجاني على أبي سليمان الجوزجاني، وكان في أنواع العلوم في الذروة العالية، ومن مصنفاته: (الفروق)، و(التمييز)، و(التوبة) وغيرها.
٣ - مُحَمَّد بن مقاتل الرازي:
مُحَمَّد بن مقاتل هو قاضي الري، رُويَ عن أبي مطيع، وقال الذهبي: إنه حدث عن وكيع وطبقته.
وقيل: تفقه على أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي.
٤ - نصير بن يَحْيَى البلخي:
وقد تفقه على الإمام أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وأبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي.
ونظرة عامة إلى شيوخ الماتريدي تبين لنا أنهم جميعًا يرجعون في علمهم إلى الإمام أبي حنيفة، فأبو بكر الجوزجاني ونصير البلخي تفقها على الإمام سليمان بن موسى بن
[ ١ / ٨١ ]
سليمان الجوزجاني الذي تفقه بدوره على أبي يوسف ومُحَمَّد بن الحسن الشيباني تلميذي أبي حنيفة، كما أن مُحَمَّد بن مقاتل الرازي ونصيرًا البلخي قد تفقها على الإمامين: أبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة، وأخذ مُحَمَّد بن مقاتل أيضًا عن مُحَمَّد بن الحسن.
ويدلنا ذلك على أن أساتذة الماتريدي وشيوخه يتبعون في الفقه مذهب أبي حنيفة، ومن ثم فهو يعتبر متخرجًا من مدرسة أبي حنيفة وعلى يد أعلام المذهب الحنفي، ولا أدل على ذلك من أنه كان يتبع المذهب الحنفي في الفقه، وبلغ فيه شأوًا عظيمًا بين أقرانه.
وفيما يلي نبين في عجالة أبرز الصلات بين أبي حنيفة والماتريدي، وهي صلات علمية ومذهبية وكلامية.
وأول هذه الصلات ما نراه عند الماتريدي من آراء أبي حنيفة الكلامية، فقد كان لأبي حنيفة آراء كلامية، فلقد روي عنه في علم الكلام موقفان:
الأول: يروى أن أبا حنيفة نظر في علم الكلام في مبدأ طلبه للعلم، وبلغ في معرفة أصوله ومذاهبه مبلغًا عظيمًا حتى غدا يشار إليه بالبنان، فمضى عليه زمن يخاصم عنه ويناضل؛ حتى دخل البصرة؛ لأن أكثر الفرق بها، وأخذ ينازع تلك الفرق؛ لأنه كان يعد الكلام أرفع العلوم وأفضلها؛ لكونه في أصول الدِّين.
أما الموقف الثاني: فيتمثل في انصراف الإمام أبي حنيفة عن الكلام وانشغاله بالفقه الذي ذاع صيته فيه، واشتهر به، ولقد ذكر عنه أنه نهى عن الخوض في علم الكلام والاشتغال به، وأنه ذكر أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يشتغلون بعلم الكلام مع أنهم عليه أقدر وبه أعرف، بل نهوا عنه أشد النهي، ولم يخوضوا إلا في الشرائع وأبواب الفقه وتعليم الناس، ومن ثم انصرف أبو حنيفة عن الكلام إلى الفقه.
ويمكن القول: إن الماتريدي قد استفاد من آراء أبي حنيفة الكلامية التي دونها في رسائله: كالفقه الأكبر، والفقه الأوسط، والعالم والمتعلم، ورسالته إلى أبي مسلم، وهي رسائل صغيرة، اشتملت -وخاصة رسالة الفقه الأكبر- على بيان عقيدة أهل التوحيد، وما يصح الاعتقاد عليه، وبعض الأدلة لبعض القضايا الكلامية، ونفي الإرجاء.
[ ١ / ٨٢ ]
ولا يغيب عنا في هذا المقام مناظرات أبي حنيفة مع المخالفين في العقيدة.
ولما انصرف أبو حنيفة إلى الفقه استفاد منه الماتريدي أيضًا، غير أن هناك قضايا كلامية كثيرة نشبت ولم يبد أبو حنيفة فيها رأيًا أو جاءت بعد عصره، فخاض فيها الماتريدي ونقد آراء المخالفين، وعالج قضايا لم تكن موجودة مثل قضية المعرفة، كما كتب بحثًا تفصيليًّا عن الصفات وإثبات التوحيد، واستخدام العقل في ذلك، كذلك كان علم الكلام غير مقبول عند أهل السنة قبل الماتريدي، فجاء الماتريدي وأسس منه علمًا قائمًا على سوقه يلقى تأييدًا ويجد قبولًا لدى علماء أهل السنة.
وخلاصة القول: إنه إذا كان يرجع لأبي حنيفة الفضل في القيام بأول محاولة لإقامة مذهب كلامي على اعتقاد أهل السنة، فإن للماتريدي فضل إقامة مذهب متكامل أيده بالحجة والبرهان للتعبير عن اعتقاد أهل السنة، ولكن يبقى الماتريدي منتسبًا إلى أبي حنيفة ومدرسته.
ثانيًا: تلاميذه:
قد تتلمذ على يد الشيخ أبي منصور الماتريدي كثيرون، صاروا شيوخًا وعلماء كبارًا، وأسهموا في نهضة الحياة الفكرية والثقافية والعلمية في العالم الإسلامي.
ومن هَؤُلَاءِ الذين تخرجوا بأبي منصور الماتريدي:
١ - إسحاق بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد، أبو القاسم القاضي الحكيم السمرقندي.
قال عنه أبو سعد السمعاني: روى عن عبد اللَّه بن سهل الزاهد، وعمرو بن عاصم المروزي، وتفقه بأبي منصور الماتريدي.
وقد تولى إسحاق قضاء سمرقند أيامًا طويلة، وحمدت سيرته، ولقب بـ " الحكيم "؛ لكثرة حكمته ومواعظه.
ورُويَ عنه عبد الكريم بن مُحَمَّد الفقيه السمرقندي في جماعة.
وقد توفي - ﵀ - في شهر المحرم يوم عاشوراء، سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
[ ١ / ٨٣ ]
بسمرقند، ودفن بها.
وذكر صاحب الطبقات السنية آخر يسمى إسحاق بن مُحَمَّد أبو القاسم المعروف بـ " الحكيم السمرقندي "، ثم قال: أخذ عن الماتريدي الفقه والكلام، ثم قال: ذكره في الجواهر، وقال: أظنه الذي قبله.
والراجح أنهما شخص واحد؛ لأمرين:
الأول: تطابق الاسمين.
الثاني: أن الشيخ المأخوذ عنه في كلتا الحالتين هو الماتريدي.
وقد جمع صاحب الفوائد البهية في ترجمة الحكيم السمرقندي بين ما ورد فيها في الجواهر المضيَّة وما جاء في الطبقات.
٢ - عبد الكريم بن موسى بن عيسى أبو مُحَمَّد الفقيه البزدوي النسفي. قال عنه في الطبقات: تفقه على الإمام أبي منصور الماتريدي، وسمع من منصور أبي طلحة البزدوي صاحب البخاري، وبالبصرة من أبي علي اللؤلؤي، وحدث، وكان زاهدًا مفتيًا، رُويَ عنه أهل سمرقند.
وقد توفي - ﵀ - في شهر رمضان سنة تسعين وثلاثمائة.
٣ - أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري:
قال عنه في الجواهر: صاحب أبي القاسم إسحاق بن مُحَمَّد المعروف بـ " الحكيم "، وأستاذهما أبو منصور الماتريدي، وعنه أخذ علم الكلام والفقه. ولم نعرف له سنة وفاة.
ثالثًا - أقرانه:
ومن أقران الماتريدي الذين صاحبوه في أثناء رحلته لطلب العلم وزاملوه:
١ - علي بن سعيد، أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنيُّ، وهو من كبار مشايخ سمرقند، ومن
[ ١ / ٨٤ ]
أصحاب الماتريدي الكبار، وله ذكر في الفقه والأصول في كتب أهل الطبقات، وهو منسوب إلى إحدى قرى سمرقند.
ولعلي بن سعيد عدة مؤلفات، منها: " إرشاد المهتدي "، و" الزوائد والفوائد ".
وقد وقع خلاف بينه وبين الماتريدي حول مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق: فهو عند أبي منصور يكون مخطئًا في الاجتهاد، وعند أبي الحسن يكون مصيبًا فيه.
٢ - مُحَمَّد بن أسلم بن مسلمة بن عبد اللَّه بن المغيرة بن عمرو بن عوف الأزدي، وكنيته: أبو عبد اللَّه، ولي قضاء سمرقند في أيام نصر بن أحمد بن أسد بن سامان الكبير.
وقد توفي في شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستين ومائتين.
٣ - مُحَمَّد بن اليمان، وكنيته: أبو بكر، الملقب بالسمرقندي الإمام، قال عنه في الجواهر: من طبقة الماتريدي. صاحب كتاب " معالم الدِّين "، وله كتاب " الرد على الكرامية ".
ومن خلال دراسة شيوخ الماتريدي وتلاميذه وأقرانه نتبين أن بيئة الماتريدي كانت غَاصَّةً بالعلماء الكبار من ذوي القدر والسبق، كما يتضح لنا طبيعة الحياة العلمية والفكرية والثقافية الحافلة التي كان يعيشها هذا العالم الجليل أبو منصور الماتريدي، ومدى ما بلغته من نضج وازدهار.
* * *
[ ١ / ٨٥ ]